plus minus gleich

حسّونة المصباحي يتهدد الجميع بغصن زيتون

كاتب ناجح بأتفاق الجميع، يحصد الجوائز المهمّة ويزعج المبدعين الفاشلين من إخوته العرب الذين يتكوّرون هناك على مرمى حجرين متحلّقين ككلّ مساء حول أطباق الأحلام الورديّة وحركة كريستينا المثيرة. يربكهم بالكتاب تلو الكتاب، والمقالات أمطار من الإبر وحجر من سجّيل.

رواية حدث هذا الشهر وتلك المجموعة تطلب للنشر مرّة أخرى، وبحث مهمّ حول الجنس في الإسلام وبين هذا وهذا وذاك مقاربات انطولوجيّة حول القصة العربيّة. ملامح وجهه البدوي المشبّعة بتضاريس قرية مسيوطة تغطي أكثر الأركان الأدبيّة بأهمّ الصحف و المجلاّت الألمانيّة الجادّة. يلوّح بيديه كيفما اتّفق متوعدا او مجاملا. يتكلّم بصوت جهوريّ غير موزون، حتى وهو يبوح لك بسرّ خطير.

والذين يعرفون المصباحي جيّدا، يوافقونك على أنّه يخبأ خلف جثته الضخمة وأنفه الكبير، قلبا رائعا لمبدع من تلك الطبقة الأخرى من الكتّاب، أؤلائك الذين لا ينطفأ وهج آثارهم بسكون أجسادهم التراب. يقرأ بحمّى ويكتب كالمجنون.
نصوصه مليئة بالحياة والصّور البكر. أدواته، لغة بسيطة ضاربة في عمق أخّاذ. شخوصه مسكونة بالعناصر الأولى، تتحرّك في فضاءات من الدهشة والأسرار. أسلوب بكر يتجدد مع كلّ نصّ روائي جديد، محافظا في الآن نفسه على خصوصيّة وأصالة ذلك القصّاص البدوي الذي أهاج كلّ غبار القرى، وقدّم لنا الريف القيرواني منذ عشرين سنة في صورة مدهشة ورائدة. إنّه حسونة المصباحي إذن إلتقينا به صدفة بعد سبع سنوات من الجوار فكان هذا الحوار.

* هناك خبر نشر أخيرا يتحدّث عن روائي تونسيّ معروف، وصحفيّ عربيّ كبير متّهم في قضيّة سرقة أدبيّة بألمانيا. والأمر يتعلّق بكتاب له نشر باللّغة الألمانيّة حول الجنس في الإسلام. فهل نتّفق على أنّك المقصود بالخبر ؟
- فليكن أنني المقصود بكلّ خبر مسيئ. وأحمد الله أنني لا زلت منذ عشرين سنة، محور أغلب الإشاعات المغرضة. ولا زلت أبعث الذعر في الأنفس الميّتة التي لم تتطوّر إبداعيّا، رغم التغييرات البيولوجيّة الواضحة. محافظة على الموهبة في الإيذاء. تعجن كذبة المساء بإخلاص رهيب، قتلا للوقت الذي يتسلل بحذرعكس خطاها. وبصراحة لا أستحضر إسم مبدع أصيل لم توخزه دبابيسهم المعقوفة. وصدقني أكاد لا أراهم، فملامحهم مملّة وواحدة. تماما مثل شخوص مسرح الكابوكي. وسواء كانت جوازاتهم خضراء أم حمراء أم زرقاء، فهم سواسيّة كأسنان الأمشاط المغشوشة. أنا أيضا أقتات من مرارتهم الدفينة، لأنّ إشاعاتهم وأكاذيبهم، تذكّرني و أحمد الله مرّة أخرى، أنّ الطريق الذي اخترت أن أتقدّم في مسالكه هو الأبقى.
ثمّ خبرني بصدق، هل سمعت عن فاشل محاط بالإشاعات؟؟ هل جاءك نكرة وخبّرك بأنه يعاني من كثرة الوشاة ؟؟؟؟

 

وحتى أريحك فإنني أعتقد بأنّ الكتاب الذي يقصدونه هوّ كتاب ( وراء أحجبة الإسلام ) وهو بحث في الجنس عند العرب قديما وحديثا، كتبته بمعيّة المستشرقة المعروفة – ادمودر هيلّر- التي أدارت مجلّة فكر وفن العربيّة لاكثر من ستّة سنوات واشتغلت معها في بداياتي لأكثر من ثلاث سنوات كسكرتير تحرير. وهو بحث يتتبّع تجليات ظاهرة الجنس في الإسلام ووقعه في المظاهر الحياتيّة والفنيّة من منظور تاريخي في أحد أبعاده ، واستيطيقي فزيونفسي من مدخل آخر، مستنطقا شواهدا تاريخية ثابتة و معالم آثاريّة ولوحات فنيّة رائدة. وحتى أزيد في جراح المغرضين والحاسدين، بمكر حقيقي مشروع فإنّ هذا الكتاب بالذات ترجم أيضا من الألمانيّة إلى العديد من اللّغات الأخرى، فبعد صدوره لأوّل مرّة سنة 1993 عن واحدة من أكبر دور النشر في أوروبا وهي دار – باك للنشر والتوزيع بألمانيا- ترجم في بعد عامين إلى كلّ من اللّغة الإسبانيّة و الإيطاليّة ولولا أنني مشغول حقا بإتمام أعمال أبداعيّة وصحفيّة كثيرة، لقمت بترجمته للغة العربيّة أيضا رغم أنه بحث مشترك كما قلت. وعموما فإن الكلاب تنبح دائما على من لا تتبيّنه أما إذا تبيّنته فإنها تحاول بشراسة عضّه.

* المطّلعون على كواليس الساحة الثقافيّة بتونس، يعلمون بأنّ هناك جوّ من التوتر الشديد الذي وصل إلى حدود العنف اللفظي بينك وبين الشاعر محمّد الصغيّر أولاد حمد. رغم أن الجميع يعرف بأنّ علاقة الصداقة الطويلة بينكما كانت مثار حسد التكتّلات الخطيّة الأخرى.ووجّه إليك أخير بمجلّة الملاحظ رسالة شديدة الملوحة. فأين الحقيقة من كلّ هذا؟

- أولاد حمد كان ولا يزال صديقا رائعا، وسوف يبقى رغم شماتة الأعداء . إن لم يسمم ما تبقى من الودّ بيننا بكمية أكبر من ملحه فيصيبنا معا بغلظ الدم. وأمراض أخرى لا يعلم إلاّ الله كم من العمر القصير والحزن ستكلفنا آثارها.
خلال صداقة عشرين سنة أو تزيد أهديت الكثير من الحب والورود لأولاد أحمد. وعندما كتبت سلسلة رسائل إلى أصدقاء بعيدين كان أولاد حمد طبعا أوّل المذكورين. وأمنيتي أن يعيد الآن قراءتها بنفس الحب والسكينة، حتى يفاجئ للمرّة الألف بأنني سأنتهي أن أكون المصباحي حين أكره يوما أولاد حمد وسأعاقبه بالمزيد من الحبّ. ويكفي أنّه شهد احتضار أميّ وبكاها،. لكنني حزين أيضا أننا لا نرى مرور كلّ تلك الساعات والأيّام والأعوام.
كما استغل الفرصة لأهمس لأولاد حمد القوي الذاكرة. بأن يستعيد أوقاتنا الجميلة بمونيخ مع المنصف الوهايبي وزهرة العبيدي وفي بون بحضور كلّ الدبلوماسيين العرب وتسكّعاتنا الرّائعة على أرصفة أمستردام وبرلين. ولعلّ النسيان يخونه فيتذكّر كيف إلتقينا صدفة ذات يوم بالحي اللاتيني بباريس، فكدنا ننسى العالم من الفرح واضطرّ هو أن يخلع معطفه وتعابير وجهه الكالحة ليسرّ لي بحماس وهو يخبط على الطاولة بمشروعه الخطير في بناء بيت لقصائده ولحماية جسده المكدود. فكان بيت الشعر. وهل يذكر يا ترى بأنني شاركته ترصيف أحلامه وأنا أكتب معه البيان البليغ عند اخر طاولة بمطعم الكوسموس، والذي كان باكورة ابداعات بيت الشعر تاريخيّا. وكان نص الإفتتاح. فليتذكر كلّ هذا وإن فعل. فهذه البيرة له أيضا.

* منذ بداياتك وأنت طرف في أهمّ المشاحنات والمعارك اللفظيّة. ومنذ مقالك الذي أثار ضجّة كبيرة والذي عنونته على طريقة صعاليك الوستارن تحت إسم ( مملكة الفتية الشرسين ) ورسائلك المفتوحة للعديد من المبدعين المعروفين تشي بالكثير من الرغبة في تصفية الحسابات، فهلتتعمّد ذلك، حتى بعد أن خسرت العديد من الأصدقاء من بين اللذين كانوا يساندونك سرّا وعلنا ويرون أنّك الأحق إبداعيّا بحمل لقب البدويّ المبدع؟

- أنا أحبّ أن أرمي الحجر في البرك الآسنة. أحبّ أن تكون السّاحة الثقافية مثل ذلك النهر الذي تتجدد مياهه بإستمرار. لا أحب المجاملة في الحياة الثقافية و أمقت الإخوانيّات لأنّها فعلا تذكّرني بتلك الحشرات التي تستوطن المستنقعات الرّاكدة. أنا لا أكتب شيئا ولا سطرا واحدا ضدّ أعراض المبدعين. لقد كتبت متعرّضا لظواهر أراها سلبيّة في الثقافة التونسيّة والعربيّة عموما. ألا يحقّ لي أن أدلي برأي في هذا الشاعر أو ذاك؟ أو في هذا الروائي او ذاك؟

مملكة الفتية الشرسين كان بالفعل مقالا مثيرا للجدل. فبعد سنوات من الركود الثّقافي امتدّ من أواسط السبعينات إلى أواخرها، ظهرت في الأفق بوادر حركة أدبيّة جديدة شبيهة حركة الطليعة التي عرفتها تونس في أواخر السبعينات. كانت هناك أسماء قد بدأت تلمع كنجوم من صنف جديد. المزغني من ناحية، وشعره الذي كان يفتن اليسار ثمّ لا ننسى أنّه كان أول شاعر تونسي تاريخيّا تمكّن من قراءة قصائده فوق ركح قرطاج أمام جمهور غفير. مؤسسا بذلك ما يسمى بالشعر الجماهيري في حين كان أولاد حمد القادم آنذاك للتوّ من سيدي بوزيد بجوعه الرّوحيّ وشعره الأشعث ليفجّر قنبلة بباب بحر، مبشّرا بلغة شعريّة جديدة تقول الواقع البسيط والواضح وتؤسس لخطاب شعريّ جديد متوتّر في علاماته ورموزه، ثمّ المنصف الوهايبي ببرنسه ووقاره البوشكيني قادما من ليبيا راميا فوق طاولات الجميع نصوصا خطيرةا خطير.

وكذلك محمّد الغزّي حالا رحاله من رحلة عمل طويلة بمجاهل السينيغال و مثيرا في الأجواء بخورا كثيفا متبّلا بروائح الغابات الإفريقيّة ومتوهّجة بشطحات الزنجيّات وهنّ يرسمن رقصة الحرب والآلهة المتكبّرة وصيد النمور والأفيال.
البشير القهواجي من هناك، يقتله اليسار بتهمة الردّة ويعيد له الإعتبار ليثبت كون الشعراء لا يموتون بالرصاص والأحكام. والشاعر الكبير خالد النّجار الذي فرد جناحه منذ البدأ محلّقا بعيدا عن السرب وهوّ يبدأ قصيدا بلغة عربيّة غير معروفة حتى ذلك الحين. لنتذكّر قصيدته الرائعة التي تبدأ هكذا : بيضاء أصياف عصور الأرض من بدأ. كان الجوّ ينذر بعواصف كثيرة وحركة شعريّة و مختلفة.

إذن كانت الساحة تنادي ذلك النصّ وكان عليّ كقصاص ومتابع أن أراهن على ملامح أدب تونسيّ جديد طلائعيّ منفلتا عن الخطوط الإديولوجيّة المحكمة، أسلوبا ومضمونا. وفعلا أثار ذلك النصّ جدلا ساخنا في تونس الكواليس وتونس الرسميّة ولكنني كتبت نصوصا أخرى ولم يكن لي من هدف غير إذكاء السّاحة الثقافيّة بمزيد من النار للدفء وتبديد كتل الظلام. أنت تلاحظ إذن بأنني لم أكن يوما المحايد ولم أغرس وردا مغشوشا للزينة، فلماذا الزّفير و النّفير. يا أخي لا يمكن أن يقوم أدب حقيقيّ وأصيل على المجاملة و إنّما ينهض على النقد البنّاء وعلى مبدعين يصرخون بالحقّ أمام الباطل.

* قرارك المفاجئ بالعودة النهائيّة إلى تونس بعد مكوثك أكثر من عشرين سنة بمدينة مونيخ، أثار فضول العديد ممن ينتظرون سقوط الأعشاش بعد العواصف. هناك إشاعات تطبخ بهدوء لتبرير وفهم هذا الرجوع الفجئي، في وقت يعرف الجميع بأن مونيخ أعطتك الكثير وارتبط اسمك بها بشكل وثيق يبرر أيضا بخلو هذه المدينة من وجود كتّاب كبار. ثمّ أن قرار عودتك فاجأ حتى أصدقائك المقرّبين إليك. فماهوالسبب الحقيقيّ الذي تخفيه وراء القرار.
* للأسف الشديد، لا زلنا مكبّلين بعقليّة القبيلة. لكأن الفرد حين يتّخذ قرارا شخصيّا لابد وأن تكون موافقا عليه من طرف الآخرين. البعيدين كما القريبين. عندما قررت الهجرة خلال مطلع الثمانينات لم أستشر أحدا. ولم يسأل أحد لماذا سافرت.

الآن وقد مضى على هجرتي أكثر من عشرين عاما، لماذا يتسائل الكلّ عن قرار عودتي. والحال أن كلّ مغترب لا يحلم بغير العودة يوما. هذا أمر يثير الدهشة. ثمّ أنني لست مطالبا بالتدليل على العودة لبلادي. فتونس روحي ومنبعي ووكري الأمين الذي أعود إليه كما الطير لا يخطأ الطريق. هي الأصل و البداية والمنتهى. لقد تعبت من السفر والترحال. أشعر أيضا بعد هذه الفترة الطّويلة التي أمضيتها بالغربة، أنّ تونس ستمنحني السكون والمحبّة وتفتح لي منابع جديدة.

صدقني لقد أصبحت أحنّ إلى كلّ القرى الصغيرة المتناثرة هناك. أن قرية كسرة المعلقة كوكر النسر فوق جبال الوسط تثير فيّ الآن إهتماما لا تثيره مدن ناطحات السحاب. الكاتب يحتاج إلى سفر روحيّ أومكاني حتي لا يصبح مثل البئر الآسنة والبحيرات الراكدة. لذا فأنا في غاية السعادة بقرار عودتي النهائية. ومتيقن بأنني حال استقراري بتونس سأبدأ في انجاز أعمال كثيرة جدّا تختمر بذهني. عودتي تشحنني من جديد. ومنذ أعوام أكثرت التردد على تونس لأتعرّف على أحوال البلاد والعباد، فإذا بي أكتشف تونس أخرى وعن هذه وهؤلاء أريدأن أكتب مستقبلا وأرجو أن أنجز ذلك. وقبلي عاد كتّاب كبار فجأة إلى أوطانهم ليكتبوا أعمالا عظيمة مثل الشاعر الإفريقي الكبير – إيمي سيزار- وكثيرون فعلوا ذلك أيضا.

* الكلّ صديقا وعدّواوهميا، يتفقون بأنّك مطلع جيد على خفايا الساحة الثقافية العربية والتونسية خصوصا. فكيف تبدو لك ملامح وأفاق الأدب المشرقي والمغربي، وهل ترى قطيعة بينهما، من ناحية ومع التجارب العالمية الأخرى، من ناحية أخرى. خصوصا في تجليات الرواية و النثر الإبداعي. ؟ ثمّ هل هناك أعمال تركت آثارا قاسية في ذائقتك واسلوبك؟
- قبل أن اكون كاتبا، فأنا قارئ نهم منذ الطفولة. وأظنّ أنني حققت شوطا كبيرا في هذا المجال. فأنا مطلع بشكل جيّد خاصة على الأدب العالمي المترجم للفرنسية مثل الأدب الأمريكي وأدب أمريكا الجنوبية. و اليابان وأوروبا بطبيعة الحال. وطبعا أعرف الكثير عن الأدب الروسي القديم والحديث وأدب أوروبا الشرقية وأعتبره من أفضل ما ظهر في القرن العشرين ممثلا في كافكا و موزيل وميلان كونديرا وغومبر وفيتس البولندي و خورخي كونراد الهنغاري وميلوش البولندي وآخرين في الأدب العربي كنت قد ذكرت سابقا بأنني مفتون ببعض الكتاب أذكر منهم نجيب محفوظ والطيب صالح واميل حبيبي ومحمد شكري ومحمد زفزاف وابراهيم الأصلان والعديد من الأسماء اللامعة الأخري من أصدقائي الأحياء خاصة.

تأثرت كثيرا، وأنا أتأهب لكتابة أولى نصوصي بمولود فرعون و محمد ديب وكاتب ياسين .
أما بالنسبة إلى تونس فأنا صرحت في العديد من المرّات أنني لا أحبّ سدّ المسعدي إطلاقا. لأنني اعتبره مملا وثقيلا ولا يعدو أن يكون تجريبا مبالغا في اللغة ولكنني أحب أعماله الأخرى مثل حدث أبا هريرة وحديث النسيان والمسافر التي أعتبرها من أروع النصوص الراسخة في الادب التونسي. ما لا أحبه عند المسعدي هوّ ميله للتجريد المطلق بحيث لا تجد مناخ الأرض والبلاد التي يكتب فيها. مناخات تونس القديمة والحديثة غائبة كليا. نوع من التجريد اللغوي أكثر مما هو إبداع كما صرحت أيضا بأنني أقدر البشير خريف خصوصا في حبّك درباني وفي مجموعة مشموم الفل وفي بعض اللقطات في الدقلة في عراجينها. أما برق الليل فالفكرة جميلة ولكنّ الصياغة لم تكن في مستواها. كما أنني أعجبت بخرافات عزالدين المدني وبنصه الرائع – الإنسان الصفر- وبقصص حسن نصر في مطلع الستينات ومحمود بالعيد وهو كاتب حقيقي نادر وكذلك ببعض النصوص القصصية والروائية الأخرى و في بعض ملامحها.

ما يقلقني هوّ أن بعض الأكادميين الجامعين يحشرون أنفسهم في الإبداع الروائي والقصصي بشكل مقرف متخيلين أن شهاداتهم تخول لهم الخداع ولكن حين تقرأ لهم تعرف إلى أي حدّ هم مزيفون فكأنك تحصد الهشيم. أرجوا حقا أن يعودوا إلى قاعاتهم ومحاضراتهم التي ستفيد طلبتهم بالتأكيد.

* تعتبرازدواجيّة النصّ المهاجر والكاتب المهاجر، من أهمّ الأطروحات التي تطرح علي كلّ كاتب مبدع يعيش المنفي الإختياري خاصة، فهل ترى أن منابع نصوصك تستمد مشروعية مناخاتها و بنيتها من كونك خارج عن أطرها المكانيّة، فمن المؤكد أن الريف القيرواني كان ولا زال المحور الرئيس الذي تتشابك فيه شخوصك وتتقاطع به .

* عبر التاريخ، وفي أكثر النصوص التي كتبت عن الأوطان التي ينتسب إليها كتابها نصوص كتبت خارجها أي في المنفى أو الغربة بمفهومها الأوسع، عندنا أمثال كثيرة جيمس جويس مثلا تاركا ايرلندا وهو في سنّ الخامسة والعشرين ولكنه ظلّ يكتب عن بلاده حتي النهاية. توماس مان كتب أغلب رواياته وهو في سويسرا أو أمريكا وكذلك نابوكوف الذي كتب عن روسيا وهو في المنفى . اعتقد أن المصدر الحقيقي للمبدع هوّ وطنه الأصل. ألم يقل غومبروفيتش العظيم وهو كاتبي المفضل بالمناسبة، بأنه يكره وطنه بولونيا لكنه سيظل موضوع كتاباته حتي النهاية وهو الذي أمضى أزيد من 20 عاما في الأرجنتين عاد إلى اوروبا بعدها وهو في الخامسة والستين. لقد تعلمت الكثير من تجربة الغربة ولكن أهم ما تعلمته هوّ حب بلدي وغيرتي عليه. تعلمت كيف أكتب عنه بكل ذلك الحب الخاص والحميمي. كلّ التفاصيل علامات فارقة .

لقد كانت المسافة أساسيّة وجدّ مهمّة لكي أستعيد علاقتي الحميمة مع وطني الذي رفضني في مرحلة من حياتي لسنوات عشت فيها التشرّد والبطالة ولكنني أحببته أكثر وبقدر ما كنت خارجا عنه، فإنني كنت منغرسا فيه. لذا كان دوما حافزا في كتاباتي حافظا لأصالتي الفنيّة والإبداعية. وسيظل كذلك. ما ظللت أكتب.
شبابا عشنا على أسطورة أدب المهجر ورموزه الكبار من أمثال جبران خليل جبران وإيليا أبو ماضي وميخائيل نعيمة والياس أبو شبكة وغيرهم. لقد كانوا حقا كبارا وعظماء. وكان تأثيرهم في الثقافة العربية فاعلا ومؤسسا. وليس من السهل تجاوزهم تاريخيا او فنيا. منهم من كان يكافح من أجل البقاء وضمان لقمة العيش ومنهم من تشرد فكان الشارع لسنوات سكنه ومأواه. اولم يكتب إيليا أبو ماضي أجمل قصائده وهو يلف القراطيس للزبائن وذكر ذلك حين قال:…
وكنت بين الزبون والزبون أخط بيتين من الشعر. لقد تركوا للثقافة العربية إرثا إبداعيا عظيما. لا يزال مؤثرا في الذاكرة الإبدعية العربية وسيبقى. أما المهاجرون الكتّاب الآخرون، فأغلبيتهم الساحقة يمارسون الكتابة لحسابهم الخاص، دون أن يكون لهم تأثيرا يذكر. هناك للأسف جماعات وتكتلات فقط، كلّ يدور في فلك بيان وشعار جماعته أو يعمل لحسابه الخاص في عزلة سلبيّة.
أدونيس مثلا يعيش منذ ربع قرن في المهجر لكنه لم يخدم سوى نفسه. الأكثرية الساحقة تعمل من اجل مصالحها الخاصة او من اجل منافع شخصيّة . أما الثقافة العربيّة فأخر ما يعنيها. وهذا مؤسف للغاية و خسارة كبيرة للإرث الثقافي العربي.

* كلمة أخيرة : - أريد أزهارا لكلّ الحقول وصفاء لكلّ العقول.

حاوره كمال العيّادي- بمونيخ

أرسل لصديقك طباعة