plus minus gleich

الطفولة والسخرية من أجل ترويض الوجود: قراءة في نصّ – آنيتا – لكمال العيادي

فاطمة ناعوت

ترويض المرأة

كانت المرأةُ، ولا تزال، المادةَ الخصبةَ الأولى في إبداع الرجل طوال الوقت، والمعين الرئيس الذي ينهل منه مخيالُه قبل أن يمسك بمبضعه الفنيّ:

 ريشةً كانت في يد التشكيلي، قلمًا في يد الأديب، أو إزميلا في يد النحات، ليشرعَ في رسم نصِّه الخاص الموازي للوجود والذي ولابد سوف يفوقه جمالا، وليس الجمال هنا حكمًا قيميًّا بقدر ما هو إشارةٌ إلى الانحراف الضروري عن الواقع كحجر أساس لكل عمل إبداعي.

فالإبداع طوال الوقت لا يبدأ إلا من نقطة انحراف وتنافر مع الوجود وإلا صار محاكاةً وتقليدًا ساذجًا تتفوق عليه كاميرا صغيرة ثمنها لا يزيد عن عملة ورقية واحدة. وكان ترويضُ المرأة من قِبَل الرجل أحد أهم أهدافه منذ البدء. و”الترويض” بمعناه المعجمي الواسع سوف يتخذ مضاربَ وألوانًا شتى. الرجل يروِّضُ المُهرَ كي يعلمه السير، والشاعر ارتاضت له القوافي الصعبةُ. فالرياضةُ تدريبٌ لعضلات الجسد كي تغدو مرنةً طيّعة، ومنها الرياضيات Mathematics وهي ترويض خلايا الذهن وتطويعها، والمجمل لأصل الكلمة كما في المعجم هو استبدال الحال المذمومة بالحال المحمودة.

بين شكسبير والعيادي

واجتهد الرجل في ترويض المرأة عبر التاريخ. حينًا كي تحبه، وكي يسوسها ويلينَ شوكتها حينا آخر. فالبشريّ يؤمن طوال الوقت بأن السفينة لابد لها من ربّان واحد، والمرأة طوال التاريخ رفيقٌ مشاكس لم يقبل أن يسلّم الدفّة كاملةً للرجل الذي اِستُخلِف في الأرض بقرار إلهي “ذكوري” واعتبر ذلك حكمًا نهائيًّا لا طعنَ فيه ولا استئناف. عالج شكسبير سياسة المرأة في مسرحية Taming of the Shrew “ترويض الشرسة” على نحو كوميدي ساخر مثل صديقنا العيادي في قصتة “آنيتا”. لكن النحو الشكسبيري كان نحوًا كلاسيكيًّا ينزع إلى المفهوم التقليدي لفكرة القوة والاستخلاف في الأرض وقانون البقاء للأقوى بيولوجيًّا، وهنا يتفوق الرجل لا محالة وتخسرُ المرأة. سوى أن كمال العيادي، الأديب التونسي الذي حقق معادلة بشرية فريدة في الجمع بين اللذاعة والدِعة، وبين القسوة التي تقترب من السادية وبين الرقة التي تنهل من الطفولة، فتجد جملته الأدبية قد تجمع بين مفردتين إحداهما عذبةٌ كقطرة ماء النهر، والأخرى حادةٌ موجعة كنصل سكين، في قصته “آنيتا” نحا نحوًا مغايرًا وطازجًا في شأن ترويض النمرة السرمدي. هنا رجلٌ سلّم سلفًا بضعفه حيال امرأةٍ تملكُ نقيضين لا قِبل لرجل متحضر بدحرهما: ضعفها البيولوجي كأنثى، في مقابل سلاطة الكلمة وعنفها. الزوج التقليدي القديم لن يقف طويلا أمام مشكلة كهذه لأنه حلّها منذ اللحظة الأولى بكسر عنق المرأة وتهذيب لسانها، وهو ما فعله بطلنا الشكسبيري القديم. لكن نصًّا يسبح في الألفية الثالثة سوف يعالج المشكلة ذاتها على نحو مغاير تبعا لقانون التحضر والحقوقية الإنسانية التي لم تكرسها ثقافة القرن السابع عشر بمنظومته الحضارية آنذاك. الترويض العصري الذي لجأ إليه بطل قصة العيادي سوف ينتهج نهجا ذهنيًّا ماكرًا لأن ثقافة عصره تفوّت عليه إمكانية حل المشكلة “بسَوط نيتشه” الشهير الذي أوصى كلَّ رجلٍ بحمله كلما ذهب إلى امرأته.

الطفولة الكامنة

بطلنا العياديّ عالج أزمته عن طريق إعادة اكتشاف الطفل الكامن داخل كل رجل واستحضاره من مخازن الذات كي يلعب لعبته المرحة مع الطفلة الكامنة داخل زوجته الشرسة آنيتا. وليس من الصعوبة اكتشاف أن الذات الراوية تنطق بلسان الطفل ليس فقط على المنحى المضموني، بل فنيًّا أيضًا، وذلك من خلال طرائق السرد والصياغة اللغوية. تذبذب الحكي الذي يشي باللعب أو بعدم اليقين أو بالسخرية من الحياة، فهنا: “لنتّفق في البداية, على أنّه من حقّي أن أضرب رأسي. أوّلا لأنّه رأسي, وأنا حرّ أن أفعل به ما أشاء. وثانيا لأنّه يستحقّ الضّرب.” هذه عبارة طفولية بامتياز رغم ما تحمل من مرارة وسخرية سوداء. فالطفل يوغل في مفهوم “التملّك” و”الحيازة” قبل أن يتعلم قوانين الحياة الأخرى، فتعتمره الرغبة في امتلاك كل الموجودات وحتى إساءة التصرف بهذه الملكية قبل أن تهذبه القوانين العرفية التي وضعها الإنسان لتنظيم نزعات الإنسان.

السخرية كملمح جماليّ

أما “السخرية” و”اللعب” الفني فهما الملمحان الرئيسان لهذا العمل كما هما في كثير من نصوص العيادي. ومنها قول الجملة ثم نقضها: “ولذلك أضرب رأسي يوميّا. ربّما أبالغ حين أدّعي بأنّني أضرب رأسي يوميّا”، وهو خط من تيار الوعي الذي يعتمد الاستسلام التام للتداعي الحر للأفكار ثم رصدها، فنيًّا، كما هي دون تنميق بلاغي ما يعطيها طابعًا رعويًّا طبيعيًّا ثريًّا بعيدا عن صالونات التجميل الصناعي. الزوج الذي أعيته السبل في تهذيب لسان زوجته السليط، سوف يلجأ في آخر الأمر إلى تراكمه المعرفي والتجريبيّ علّه يجد الحل، فيستخرج من تاريخه القديم طفلا ماكرًا كان يظن أنه غادره بعدما لم يعد في حاجة إليه. طفلٌ تعلّم من كليلة ودمنة ومن قراءاته القديمة في قصص الجنيات وحواديت الجدات أن الثعلب يتماكرَ على عدوه فيحاكي دورَ الميّت أو الضعيف المنهزم حتى يفوّت على خصمه فرصة النيْل منه. الزوج الذي أقرَّ بهزيمته أمام لسان زوجته سوف يدخل في روعها أنه مقبلٌ على الانتحار حتى يرهبَ جانبها فتعيش في قلق دائم. لكنه لن يفعل ذلك على نحو مباشر ساذج عن طريق إعلامها رأسًا بقراره الخطير، بل سيدبر الأمر على نحو أيروني Ironic عن طريق اللعب مع زوجته لعبة ماكرة فيقوم بنثر قصاصات ورق على مكتبه مكتوبة باللغة العربية التي لا تعرفها الزوجة، وهنا وهناك كلمة أو كلمتان بالألمانية كي يتقن رسم صورة المرتبكين والمتوترين المقبلين على إنهاء حياتهم حزنًا ويأسًا. وفي المقابل سيلجأ إلى حيلة حرية “المخيال” كي يثأر منها ويمثّل بها، حيث لا قانون حضاريًّا أو عرفيًّا أو جنائيًّا يحاكمنا على خيالنا، ولذلك: “كنت أشبعها لطما وأقضم جزءًا صغيرا من أنفها المدبب وأطرحها أرضا وأرفسها بكلّ ما أوتيت من قوة, وأتلذذ جَلدها بالسوط وشدّها من شعرها القصير, وتثبيتها على لوح خشبيّ ودق كفيها إليه بمسامير كبيرة, كلّ ليلة, في خيالي المرهق”.

الصورة الشعرية

بوسعنا أن نلمح براعة رسم الصورة المشهدية عند العيادي وهي أداة أخرى يتقن اللعب بها إلى جوار الآيرونية. أذكر أنني قديما قرأت له قصة عن بيت الأشباح في الملاهي كان يصف فيها مأساة لابسي أقنعة المسوخ والأشباح الذين ينحصر دورهم في الحياة في إرهاب وترويع اللاعبين ويُحسب نجاحُهم بمدى علوّ صرخات الخائفين، وبعدها لم أدخل بأطفالي مرةً إلى دار ملاهٍ إلا وتذكرت القصة، وتعاطفت مع المسوخ والوحوش. والعمل الفني الناجح هو الذي يجعل العالم يتغير في عينيك بعدما تقرأه كما قال أحدهم. والأمثلة على براعة العيادي في رسم الصورة الشعرية لا حصر لها في واقع الحال، لأنها بطول أعماله وعرضها حتى ليمكن للمرء صادقًا أن يقول أن بعض قصصه هي قصائد نثر مطوّلة بسبب زخم الصور الشعرية بها: “…. عند عودتي كلّ ليلة لتقف لي بين ثقب الباب ولحاف السّرير الأزرق المكويّ بعناية”، أو “كان عجوزا غابرا مجعّدا. يسعل كامل الوقت ويخرم في الهواء قاعدة الكرسيّ الهزّاز المغلّف بسبابته وإبهامه. موسّعا في ثقب وهميّ لا أراه.” أو “فكنت أعدّل ملامح وجهي قبل وضع المفتاح في ثقب الباب مباشرة”.

العمق الدلاليّ

الفن الأدبي الرفيع في النهج الحداثي وما بعد الحداثي يبدأ وينتهي عند قول كلامٍ يبدو بسيطًا جدًّا ومألوفًا ولا مجاز مهوّمًا فيه سوى أنه يحمل مستويات من العمق لا تعطي نفسَها إلا عبر قراءات وتأويلات منفتحة ومتعددة. حين نتأمل جملة كهذه “وسألني عمّا إذا كنت أحلم باللّغة العربيّة أو الألمانية”، على تلقائيتها وكوميدية طرحها فهي تحمل مضامينَ فلسفيةً وخيوطًا نقديةً عديدة، وقد بحث فيها علماء السيكولوجي والألسنيات طويلا، كيف نفكر؟ كيف تنبت الفكرة في أذهاننا؟ وبأية لغة؟ وهؤلاء الفرانكوفونيون في بلاد المغرب العربي والبوليفونيون في المهاجر الغربية، هل يفكرون ويحلمون؟ بالعربية أم بلغة أخرى، إن سلمنا أصلا أن الفكرةَ تحتاجُ إلى لغةٍ ما كي تنبثق في المخ. ثم “… بعد نزع حذائي ووضعه عند الزّاوية اليسرى, محاذرا أن يكون وضعه قريبا أكثر من اللاّزم من الحائط. تماما كما يليق بزوج يتألّم.” هكذا يلاعب البطلُ زوجتَه “مضمونيًّا”، ويلاعب الكاتبُ قارئَه “فنيًّا”، وكأن للحذاء وطريقة وضعه على الأرض علاقة وثيقة بحال الشخص المتألم، وهي لعبة ذكية ترمي بالقارئ فورًا في فخ التصديق وتورطه في خيوط النص، لأن الفن، على عكس الحياة، يصل للروح والعقل مباشرة كلما تجاوز المنطق القارَّ المألوف وابتعد عنه.

رسم الرائحة

“ولا احتمل رائحة الدّجاج المسلوق والزّيوت الغريبة التي تنبعث منها” يجيد العيادي “رسم الرائحة”، وليس في عبارتي هنا مجازٌ لغويّ، فهو يعرف كيف يرسم للرائحة صورةً مشهدية تكرسّ ملامحها “الحواسيّة” حتى يغدو بوسع القارئ بعدها أن “يلمس الرائحة بأنفه” بالفعل. بل أكثر من ذلك أنه يعرف كيف يرسم للقيم “المجردة” كالنفور والألم والخيانة رائحةً ما. أذكر في قصة أخرى له بعنوان “موت بدون وصية” أنه رسم رائحة “الخيانة الزوجية” بقوله :” رائحة تشبه رائحة الدجاج ليس الدجاج تماما, ولكنها رائحة الطيور الصغيرة تماما، الطيور الصغيرة المذعورة حين تراها وهي تسقط في الفخ وتجري نحوها, ثم تمسكها لمدة طويلة، وتسمع دقات قلبها مثل مراوح الهواء وحين تضعها في القفص وتشم يديك المبللة بالعرق والمتسخة ببثور الريش”.

أجملُ “الحكي” أكذبُه

وبعد كل هذه المعارك الزوجية والحيل الذهنية واللعب المتبادل بين الزوجين المتنافرين يفاجئنا المؤلف في آخر سطر ربما بأن الأمر ليس كما فهم القارئ، وأن السارد لم يكن صادقًا كل الصدق فيما زعم وفيما حاول أن يوقع في روع قارئه الطيب الذي صدقه وتعاطف معه ومع أزمته طوال الحكي، لأننا لن نجد في نهاية القصة إلا زوجيْن متحابيْن وهو ما يحل لغز بقائهما لعشر سنوات معا رغم كل تلك المكائد الصغيرة بينهما. ” آنيتا جاوزت الحدّ. أضرب رأسي بقوّة على الباب أو على الحائط. أو ببساطة هكذا. بقبضتي أو بكفيّ. لأتلذذ طعم ريقيّ المرّ , وأنا أرى كلّ ذلك الذّعر والفزع الشّديد في عينيها. في عيني حبيبتي وزوجتي – آنيتا-.”
———————————————————–

نص – آنيتا – للكاتب التونسي كمال العيادي

لنتّفق في البداية, على أنّه من حقّي أن أضرب رأسي.
أوّلا لأنّه رأسي, وأنا حرّ أن أفعل به ما أشاء. وثانيا لأنّه يستحقّ الضّرب, فهو السّبب في كلّ بلائي وما أنا فيه.
ورغم أنّني أجد لذّة مدغدغة مثل دبيب النّمل وخدرا بنفسجيّ محبّب, حين أضربه, فإنّ السّبب الحقيقيّ وراء ذلك, أنّني اكتشفت منذ سنتين تقريبا, بأنّني أجني فوائدا عظيمة, حين أقوم بتلك الحركة الخرقاء وأضرب رأسي بكلّ ما أوتيت من قوّة. على الباب, أو الجدار. أو ببساطة هكذا. بقبضتي أو بكفيّ.
اعتدت على ذلك, بعد أن اكتشفت, مصادفة, بأنّ تلك الحركة الخرقاء تحديدا, تبعث الخوف والجزع الشّديد في نفس زوجتي – آنيتا – , بعد أن كنت استنفذت كلّ الطّرق والوسائل والحيل لإرهابها. دفاعا عن نفسي طبعا.

أنا لا أخافها. وليس هناك أيّ داع للقلق عليّ, من أن تقوم بتعنيفي أو ضربي في يوم من الأيّام. ولكنّ خوفي الشّديد ورعبي الحقيقيّ من تلك اللّحمة الحادّة, القارصة, المرّة. تلك اللّحمة التي لا تكفّ عن اللّعلعة ليلا نهارا. نعم. أنا أخاف ببساطة من لسان – آنيتا- زوجتي. آنيتا زوجتي الصفراء القاسية. ولذلك أضرب رأسي يوميّا.

ربّما أبالغ حين أدّعي بأنّني أضرب رأسي يوميّا. ولكنّني أضربه مرّتين أو ثلاث مرّات في الأسبوع. وهذا يكفي. أعتقد أنّ ذلك هوّ السّبب الحقيقيّ في استمرار علاقتنا كلّ هذه السنوات, تحت سقف قرميديّ واحد. رغم صبغتها العدائيّة. إنّ كلمة العدائيّة تبدو مهذّبة للغاية حين أريد أن أصف بدقّة طبيعة علاقتي بآنيتا. زوجتي.

حاولت وجرّبت كلّ الطرق قبل ذلك, لإيجاد طريقة حاسمة وفوريّة لردعها حين كانت تبدأ هجومها الشرس. فكنت في البداية أعدها بالنّقاش إذا كان الغد. ثمّ بدأت بعد ذلك, وخلال السّنوات الأولى معها, في تصنّع حالة من الحزن الشّديد, كلّما فتحت الباب ليلا ووجدتها كالسّعلاة أمامي. فكنت أعدّل ملامح وجهي قبل وضع المفتاح في ثقب الباب مباشرة, بما يوحي لها فورا, هيّ الواقفة أبدا عند الممرّ هناك, بأنّني مقدم على القيام بأمر خطير وحاسم. ثمّ أنّني كنت أمتنع بعد ذلك عن إجابتها أو الردّ على إهاناتها التي لا تحتمل, وكنت أتّجه إلى غرفتي, بعد نزع حذائي ووضعه عند الزّاوية اليسرى, محاذرا أن يكون وضعه قريبا أكثر من اللاّزم من الحائط. تماما كما يليق بزوج يتألّم. ولتجنّب فتح موضوع جانبيّ عن كوني لا أعير أهميّة لما تقول وتردد, من أنّه من غير اللاّئق وضع حذاء, ربّما مسح كلّ أوساخ الطريق, قريبا من الحائط. كنت أفعل ذلك بهدوء مسرحيّ مبالغ فيه, وأتّجه إلى غرفتي لأكتب رسائلا, دون تدخين. بلغتي العربيّة التي لا تفهمها. متعمّدا حشوها ببعض الكلمات باللّغة الألمانيّة, تدلّ بما لا يدع مجالا للشكّ, بأنّني مقدم على الانتحار.
ورغم أنّني كنت على يقين من أنّها كانت تقرأ ما أردت لها أن تقرأه. وبأنّها كانت تفهم تماما, بغريزتها الموسوسة, ما كنت أريد منها أن تفهمه, فإنّها, ومع مرور الوقت, وتكرّر العمليّة, لم تعد تصدّقني إطلاقا. بل أنّ حدّة لسانها زادت عن السّابق, وأصبحت لا تتورّع عن تقريب وجهها عمدا من متناول قبضة يدي. وكأنّها بذلك تنتظر أن أصفعها, لتجد مبرّرا للعويل والصّراخ ودقّ أرضيّة الممرّ المبلّط بألواح خشبيّة بقدمها اليسرى العريضة. وبالرغم من أنّه لم يحدث إطلاقا وأن ضربتها في يوم من الأيام. فإنني كنت أشبعها لطما وأقضم جزءا صغيرا من أنفها المدبب وأطرحها أرضا وأرفسها بكلّ ما أوتيت من قوة, وأتلذذ جلدها بالسوط وشدّها من شعرها القصير, وتثبيتها على لوح خشبيّ ودق كفيها إليه بمسامير كبيرة, كلّ ليلة, في خيالي المرهق, التي كانت تنفخ في جمرات شرّه وأنا أسوّي الحذاء لأقطع الممرّ الطويل, متّجها بصمت إلى غرفتي الباردة.

أعتقد بأنّها فطنت إلى أنّني لن أقدم في يوم من الأيّام على الانتحار. وأكاد أجزم أنّ حكايات صديقتها – مارتينا-
تلك الثعلب العانس, هي السبب في انتباهها لذلك.
تلك العانس, اليابسة, الكالحة, المنمّشة, الشّمطاء, الحقودة, الممتصّة, – مارتينا- هي السبب بالتأكيد.
أنا لا أحبّها. ولا احتمل رائحة الدّجاج المسلوق والزّيوت الغريبة التي تنبعث منها. بل أنّني لا أحتمل حتّى مجرّد النّظر في وجهها المتدلّق مثل عجل بحر مذعور.
وجهها الكبريتي المنمّش وبؤبؤ عينها اليسرى الذي يرتعش بتوتّر كامل الوقت. لعنة اللّه عليها. إنّها شريرة. وإضافة لذلك فهي تقرأ يوميّا كتب علم النّفس المغرضة. وأراهن أنّها فسّرت لزوجتي – آنيتا – أنّني أنتمي إلى الصّنف المخاطي من البشر, وبأنّ طالعي, حسب تاريخ ميلادي الثّابت, واقف بين الشّطر الثاني الأيسر من زحل والبرج الرّابع من المشترى والثّاني من نبتون. بما يعني بما لا يدع مجالا للشكّ, حسب رأيها, بأنّني لن أنجح في يوم من الأيّام في إتمام أمر اعتزمه. بما في ذلك الانتحار.

لعنة اللّه عليها دنيا وآخرة. سمعتها مرّة تحلّل لآنيتا, شخصيّة – شيلا – كلبة جارتنا – هيلدا- العجوز. فكيف لا تجد الوقت والرّغبة لتجيب على أسئلة زوجتي وهي التي تؤمن إيمانا أعمى, بأنّ مصائر البشر مرسومة منذ الأزل, هناك, عند ارتفاع وانبساط تضاريس الكواكب وتقاطع خطوط الطّول والعرض؟
كيف لا تجد الوقت والمزاج لتقشيري وفضحي, وأنا لست بالنسبة إليها غير ذلك الأجنبي العاطل عن العمل, الذي فرّق بينها وبين صديقتها بشكل ما. وألحق – آنيتا – بصفوف النّساء المتزوّجات, بعد تخطيها سنّ الأربعين. وحرمها بذلك من إمكانيّة السخرية والتذمّر من الأجانب الذين ملؤوا البلد وسخا وفسادا وإجراما.

أعرف أنّها لم ولن تغفر لي ذلك في يوم من الأيّام. هيّ تتعذّب كلّما مرّ يوم آخر ونحن معا. وأحس بتوتّرها الشديد حين يمضي الوقت, ولا تفاتحها – آنيتا – برغبتها المتوقّعة في طلب الطلاق والانفصال عنّي حالاّ.
لذلك فقد ازدادت شراهتها في السنوات الأخيرة لالتهام المكسّرات وقراءة كتب علم النّفس الموجّهة.
والحقيقة أنّني كنت, دفعا لشرّها, أفكّر أحيانا باستمالتها وكسبها إلى جانبي. وذلك بإحضار كمّيات كبيرة من المكسّرات التي تعشقها, من لوز وجوز وفستق وغيرها. ووضعها فوق الطّاولة. ملوّنة. كلّ صنف في صحن كبير مقعّر. ولكنّها اليابسة, كانت تأكل لوزي وتقضم جوزي وتطحن فستقي, ثمّ تسلخني في غفلة منّي.

- آنيتا- زوجتي, لا تحيض ولا تبيض. ولا أمل لنا في ابن مشترك في يوم من الأيّام. والواقع أن هذا لم يزعجني في أيّ وقت من الأوقات. بل ربّما كانت معرفتي المسبقة بعدم قدرتها على الإنجاب أهمّ الأسباب في زواجي منها. إضافة طبعا لبؤس الانتظار عند الرّواق الأوسط بمصلحة التأشيرات والجوازات. ونظرات السيّد- هانس- المسمومة, كلّما كنت أدخل عليه بملفي وجواز سفري المتهرئ ليدمغ صفحة فارغة منه بتأشيرة لا تتجاوز الثلاثة أشهر في أفضل الأحوال.

عرفتها بأحد المطاعم العربيّة بمدينة شتوتغارت, حيث كنت أسكن, قبل الانتقال للسكن معها هنا بميونخ. كنت يومها أدخّن النرجيلة, وكانت تشرب شايا تركيّا. كنت أبحث عن حلّ يقيني نظرات السيّد – هانس – وكانت تبحث عن زواج سريع قبل عيد ميلادها الخامس والأربعين.
هيّ متخرّجة من الجامعة ولكنّها تكره الكتب, وأنا منقطع عن التعليم منذ سنوات الثانوي الأولى وأعشق القراءة. هيّ موظّفة محترمة بمصلحة الإحصاء, وأنا عاطل عن العمل ولا أحسن غير النّوم ولعب الورق.
سألتني عن طعم التّبغ المغسول, وإذا ما كنت أشعر بلذّة في إخراج الدّخان المعسّل من فتحتي أنفي, بعد نقعه في آنية الماء الزّجاجيّة. وسألتها عن عدد غرف بيتها وعمّا إذا كانت تحبّ مشاهدة الأفلام التاريخيّة والأخبار.
كانت مشدودة مثل قربة ماء بولغ في ملئها. عينان حادّتان تتماوج فيهما زرقة السّماء وخضرة البحر قرب الشاطئ. فمها مكتنز ومدهون بطلاء شاحب. رقبتها غليظة وملتصقة بجذعها مثل أبطال رفع الأثقال. صدرها منتشر ويكاد يغطّي نصف بطنها العلويّ. وكان يمكنك ببساطة تصوّر شكلها عاريّة, من خلال تخمين مقاسات سمك طبقات جلدة بطنها الجانبيّة, وهي تظلّل حوضها المشدود إلى فخذين بعروق زرقاء. ولحم فائض. أذكر أنّني انتبهت يومها خاصّة إلى قصبتي ساقيها. بدت لي مثل قوائم فرس بحر يقاوم الرّغبة في التمدّد و الارتخاء
أمّا أنفها فكان حادّا. كان حادّا وشاحبا بشكل ملفت للانتباه. لا أعرف لماذا تكهّنت فورا بأنّ أنفها بارد ولزج.

كانت قصيرة وثابتة, مثل شجرة خرّوب. وكنت شابّا حالما, يخرج الدّخان من خياشيمه, كما كانت تغازلني بعد ذلك خلال المرّات النّادرة التي كانت تصفى فيها وتلين. وخاصة قبل زيارة أو دعوة احدى صديقاتها للبيت.

عشر سنوات مرّت الآن على زواجنا. وبالرّغم من أنّني لم أعد في حاجة لدمغ تأشيرة الإقامة بجواز سفري عند السيّد – هانس – وبالرّغم من أنّني أعيش معها وأتساءل يوميّا لماذا. فإنّني أصبحت أشعر مع الوقت بنوع من الإدمان المازوشي لسماع لعلعتها اليوميّة. بل أنّني بدأت أحسّ منذ مدّة بنوع من الضّيق والإحباط, كلّما عدت إلى البيت ولم أجدها هناك. حيث الممرّ الفاصل بين الباب الخارجيّ وغرفة النّوم المستطيلة الدّاكنة.

منذ عشرين سنة أو تزيد, وآنيتا لا تحيض ولا تبيض.
حدّثتني بأنّها كانت تنفق أموالا طائلة على الجلسات الخاصّة مع طبيبها النفسي السيّد – زاموش بارغهوف-
أخذتني مرّة إليه بعد رفض قاطع منّي و خصام دام سنة حول المسألة. كان عجوزا غابرا مجعّدا. يسعل كامل الوقت ويخرم في الهواء قاعدة الكرسيّ الهزّاز المغلّف بسبابته وإبهامه. موسّعا في ثقب وهميّ لا أراه.
طلب منّي أن أحدّثه عن أميّ وإخوتي. وسألني عمّا إذا كنت أحلم باللّغة العربيّة أو الألمانية. فأجبته بأنّني لا أحلم إطلاقا. وأنّ آخر مرّة حلمت فيها, كانت ليلة قدومي إلى هذا البلد الذي لا معنى ولا وقت للأحلام فيه.
ولم أرجع إليه بعد ذلك, رغم أنّه وافق رغم امتلاء دفتر مواعيد جلساته وكثرة حرفائه على تخصيص ثلاثين حصّة أوّليّة لي. لدراسة شخصيّتي. ثمّ انقطعت – آنيتا – أيضا عن الذهاب إليه, وأعلمته في رسالة مقتضبة بأنّها لم تعد تشعر بالرّغبة في متابعة الجلسات. كتبت ذلك بطريقة واضحة وحاسمة أثارت إعجابي. بل أنّها قطعت زياراتها بعد ذلك لكلّ الأطبّاء. وحلقات اليوغا وزيارة الجمعيّات الرّوحانيّة المريبة وحلقات النقاش الأسبوعي بذلك المبنى الغريب المشبوه, حيث تلتقي النّساء المتزوّجات بأجانب, كلّ ليلة خميس.

آنيتا تأكل الخضار كعادتها بشراهة. ولكنّها تتذوّق اللّحم الآن من حين لآخر, بعد أن كانت تقيم الدّنيا حين أطبخ لحما في أحد أواني الطبخ الخاصّة بها, أو أغرف منه في صحن غير الثلاثة أصحن المخصّصة لي.
أنيتا لم تعد نباتيّة متعصّبة مثل صديقتها اليابسة – مارتينا – ولم تعد تتحمّس لزيارة مقرّ جمعيّة النباتيين.

آنيتا لم تتغيّر كثيرا. تكوى الملابس بعناية فائقة وتصلح ما أفسده يوميّا من نظام البيت الدّقيق الصارم. ولكنّها تنتظر كآلة معدّلة عودتي كلّ ليلة لتقف لي بين ثقب الباب ولحاف السّرير الأزرق المكويّ بعناية.
أمّا أنا فإنّني لم أتغيّر إطلاقا. أخدّر حواسي بأحلام منمنمة قبل الرّجوع كلّ ليلة إلى البيت. وحين أحسّ بأنّ
- آنيتا- جاوزت الحدّ. أضرب رأسي بقوّة على الباب أو على الحائط. أو ببساطة هكذا. بقبضتي أو بكفيّ. لأتلذذ طعم ريقيّ المرّ , وأنا أرى كلّ ذلك الذّعر والفزع الشّديد في عينيها. في عيني حبيبتي وزوجتي – آنيتا-.

أرسل لصديقك طباعة صيغة PDF