من تكون أيها ال ” كمال ” ؟ يا من أدمن قراءة بوشكين و غوغول و كل الرائعين من أرض الثورة المثلى، من تكون أيها ” القيرواني” البهي ؟ يا من هاجر بدءا إلى المسرح و غاص في عشقه حتى الألم و الألق أيضا، برفقة أب الفنون لا أظنك كنت تفرح إلا بنصوص بيكيت و بريخت و سارتر و أرتو …
لا أظنك إلا قادما من مسرح العبث كما عبث أيامنا الفادحة هاته ، لن تكون إلا عبثي المبنى و المعنى ، تسافر بين الدروب القصية بحثا عن الحقيقة الهاربة ، تكتب و تنزف و تحترق ، فالانكتاب عندك أيها المسرحي و الشاعر و القاص و الصحفي ، أكبر من أن يكون مجرد ترف فكري .
قلبك النازف حبا و عمقا إنسانيا لن يكون مفتتنا قبلا إلا بالأسئلة الكبرى التي أثارها نيتشه و كل الألمان الرائعين ، أراك دوما تمقت الضفادع التي لا تجيد سوى النقيق كما كان يقول نيتشه، و بالمقابل تهفو إلى إعادة الدفء إلى السوبرمان الميت فينا ، لن تكون إلا نتشويا أتعبه هذا الإنسان ، فبات يحلم بإنسان آخر و بعالم آخر يشع نقاء و بهاء، لهذا تحلم و تحلم إلى أن يتحقق الحلم ، تفرح كثيرا بكل رقم قياسي تحطمه هذه الدروب ، بكل شمعة توقدها في عتمة الليل العربي .
من تكون أيها القادم من القيروان ، يا من جرب كل فنون الشعر و النثر ، يا قادما إلينا من الركح الجميل ؟؟؟ في كل التعليقات التي تكتبها احتفاء و فرحا بكل الزميلات و الزملاء في دروبنا البهية أكتشف فيك شخصا آخر ، أنت المائة و ربما الألف في واحد ، رجاء لا تخف ، إنني لا أتهمك بالفصام ، بل أتهمك بالتعدد الباذخ ، كما المسرح الشامل يا سليل الخشبة و الأدوار .
جئت أيها ال ” كمال ” إلى عالمنا الرديء هذا في زمن النكسة ، ذات يوم ستيني كئيب انمسخت فيه أحلامنا البلا حدود ، جئت تحمل بين أعماقك كفرا بالموت الرخيص ، لهذا كنت دوما تمارس التواطؤ مع الحياة و الحب و الجمال . و منذ بداية الثمانينات بدأت تعلن عن الكاتب الغائر فيه ، عن الشاعر المتوثب في أعماقك ، عن القاص و الصحفي و المسرحي و كل كائنات القلم الجميل ، استقبلتك أحضان” القدس العربي” و “أخبار الأدب” و” نزوى” و مواقع وادي السيليكون بعدا . لهذا لم تسرقك ” التجارة الدولية ” التي تخصصت فيها دراسيا من دنيا الأدب ، بل أدمنت الحب و الوفاء لشيطان الشعر و الإبداع في كلياته و أسئلته و شواغله الكبرى .
على حواف القلب الشريد ، و من تفاصيله الدقيقة تهدينا مراثي للقمر الباكي ، في منامات الأطفال ، تسمعنا نشيجها من الأقاصي البعيدة ، تذكرنا بأحجيات الشتاء و حكايا الجدة الراحلة ، من منافي الروح تبرق إلينا ، و أينما كنا، شعرا جديرا بالقراءة و الاستماع ، لأنه شعر معتق قادم من زفرات قلب يدمن الحب و الوفاء . الشاعر فيك يا كمال يحترف بناء صور شاعرية ، يحتفي بالأضداد في تناقضها المختلف ، لا يرضى بالخطابي و التقريري كما لا يختبئ وراء الغموض و الرمزية المطلقة ، الشاعر فيك يعلن عن نفسه منذ العتبة الأولى ، لأنك شفاف حد الانكشاف و التجلي .
عبر القص اللذيذ تأخذنا إلى عوالم التشظي و الانحراق ، برفقة شخصيات عجائبية من كل أقاصي العالم ، من روسيا و القيروان و ميونخ بدرجة أكبر ، إنها فعلة الترحال ، بصماتها بادية على محياك الأدبي ، لن تمنع نفسك يا كمال من الغرق في الشعر الروسي و العبق القيرواني و السؤال الألماني ، مع باريسا ألكسندروفا و حميد ميتشكو و آخرين يصعب حصرهم ، توصي بشيء من الحلم لموت القيروان ، لكنك تنسى أن الموت الفضيل يكون بدون وصية ، فقط هناك بقايا حناء و رسائل مغشوشة ، هو ذا الزمن الفادح يسقينا من شرابه الرخيص ، يفجعنا في الأحبة و الأصدقاء ، يسرق منا أجمل الأوقات ، و مع ذلك يستيقظ الشاعر في أعماقك ، الشاعر المفتون بالحياة ، ليعلمنا دروسا في غير الانحناء ، كما دنقل و هو يكتب وصية الرحيل عند مشانق الاسكندر. فمن تكون أيها القيرواني المسافر الذي زاده الحب و الإبداع ؟ يا من يحرص دوما على ألق موقع ال ” الدروب ” ؟ يا محرر القسم الأدبي كما تعلن عن ذلك هذه ال “دروب ” ؟ أيها المايسترو كما تناديك دوما شاعرة الأطلس مليكة مزان ؟
أحيانا أجدك على درب الدروب رجل إطفاء بامتياز تصب خراطيم مياه على الحرائق التي تشتعل من حين لآخر في رحاب التعليقات ، تدواي الجراح ببلسم الحب و الامتنان ، تحيي فينا ثقافة الاختلاف و الانتصار لكل ما هو جميل مهما كانت المسافة ضوئية بيننا و بينه ، لكن في مرات أخرى أجدك تشعل الحرائق ، و تدعو لقلب الطاولات ، يستيقظ السؤال الألماني فيك ، و تدعو إلى المساءلة و النقد لا المهادنة و الانبهار الزائد . و بين الحالتين معا يظل كمال العيادي فيك كما هو ، سوبرمانا محلقا في الأعالي حريصا على جمالية الدروب الباذخة ، منشغلا حد الامتلاء ببناء العائلة الدروبية الكبرى ، يوزع الحب على كل الوافدين إلى موقع دروب ، يحييهم بأبهى العبارات ، يشجعهم على تكريس الحضور و إدمان الانكتاب و لما لا الاحتراق و الانجراح أيضا ، فالكتابة بالنسبة إليه غير ذات معنى ما لم تكن مقرونة بالدم ، ألم يقل الحلاج بأن ركعتين في العشق لا يصح وضوؤهما إلا بالدم ، فما بالك بصلاتهما بعدا ؟
كمال العيادي ينفر من الجاهز ، يرتحل عبر أزمنة شتى ، ليجيب عن سؤاله المركزي : ما معنى أن تكون كاتبا اليوم ؟ ما معنى أن تكون مفتتنا بالحبر و تسويد البياض ؟ ذلك ما يجيب عنه كمال العيادي عبر تعليقاته في دروبنا الباذخة ، عبر قصصه التي لا تنتهي و أشعاره المحلقة في الأعالي ، على امتداد أسفاره القصوى من القيروان إلى روسيا فألمانيا إلى دروبنا جميعا ، عبر ذاك كله نكتشف حقيقة سوبرمان شاعري يكتب من أجل الحب و الحياة . و عبر ذلك كله لا نكتشف مرة أخرى حقيقة هذا السوبرمان ، فمن تكون أيها ال “كمال العيادي ” ؟؟؟؟
ملحوظة : من حين لآخر تسرقني صرامة البحث السوسيولوجي من دنيا الأدب الباذخة ، إنني غارق آنا في كثير من الالتزامات البحثية الميدانية ، لكن لأنك جدير بالحب و التقدير أيها العزيز كمال العيادي ، و لأنك ستحل ضيفا عزيزا علينا بحاضرة سلا البهية ، فقد سرقت نفسي من نفسي لأكتب لك و عنك هذا البورتريه الذي لن يوفيك حقك ، هذه مجرد تحية استقبال لسوبرمان الدروب الباذخة ، تقبلها مني أيها العزيز.
::. عبد الرحيم العطري


