plus minus gleich

الفانوس والممسوس

أحمد الكبيري

عندما جئت إلى موقع دروب تسكعت قليلا في حدائقه وقطفت من ورده وأزهاره ورياحينه، ما لم أقو على فعل مثله في أية حديقة أخرى التي كنت في الغالب أكتفي منها بشوكة وجرعة هواء قبل أن أواصل تسكعي دون التفات..ومع مرور الوقت وجدتني في هذه الدروب ببيت وعائلة وباب يطرقه من حين لآخر جار أو صديق أو عابر كلام..
فكانت المصادفة وكان اللقاء بهذا الكمال العيادي الذي سوف أطلق عليه فيما بعد لقب الممسوس…

 ليرد علي ” حرام عليك يا أحمد، أنا سميتك الفانوس وأنت تسميني الممسوس” فقلت له: “والله يا أخي إنك لممسوس بحق. إني تعبت من ملاحقتك في هذه الدروب لاهثا… فيوم بعد يوم ترفع عمود المنافسة عاليا..” وبالفعل مجاراة كمال العيادي في نهجه، يتطلب محركا من فولاذ ورئتين، واحدة بنفس للقراءة وأخرى بنفس لمحاورة النصوص والتعليق عليها..والنتيجة إدمان لا مناص منه، حتى فيروس فتاك، يصيب كل الأجهزة بأعطاب الفناء. وإلا أصابك مس عيادي.
وكيف لا يكون الشخص ممسوسا، وهو متى دخلت دروب ومن أي باب شئت، تجده حاضرا، محلقا وجهه، عاقدا خيوط حدائه، ورابطا في شياكة رقبته بربطة عنق زاهية الألوان ومضمخا حضوره بأريج يمتزج فيه المرح بالحزن وسلاطة اللسان..شامتا في الجميع..مرددا في سخرية:” أنا الأول دائما”..
وهذا المس ليس في سلوك العيادي وحده وإنما في نصوصه أيضا..فالقارئ لما ينتجه كمال العيادي من نصوص سيلاحظ بأن هذه الأخيرة تتميز بالتنوع، فالرجل كما يكتب القصة، يكتب الشعر، والرواية والمقالة ويترجم. فهو غير مخلص لصنف إبداعي معين..
ثانيا، هذه النصوص نفسها مسكونة بلعنة التشظي..فهي موزعة بين أزمنة مختلفة، وجغرافيات كثيرة، وشخوص لا حصر لهم..وهي في البداية والنهاية ماهي إلا ترجمة المس الذي دفع كمال العيادي أن يكون ممتدا وشاسعا في تجربته الحياتية التي بدأت بتونس، البلد الذي يلفه كالمغرب البحر من جهتين والصحراء من جهتين.. وانتهت بألمانيا، وبالضبط بغرفة بنافذة واحدة بميونيخ الرمادية، مرورا بموسكو وعواصم أخرى…يقول كمال العيادي في إحدى نصوصه” حكاية السنوات العشرين”: ” عشرون سنة مضت يا سيدي ، لم يحدث خلالها أن سمعت نباح كلب، ولم تفاجئني عنزة، ولم تخفني بقرة هائمة في غبش الفجر. العالم ضيق يا سيدي، وربما كان من الأفضل إعادة توزيع المدن بشكل لائق.
عشرون سنة، كنت مشغولا عنك وعن القيراوان. جربت أن أقيس حدوح الأرض بخطواتي، ولكنني لم أخط شبرا واحدا. والذنب ليس ذنبي يا سيدي فالمدن متشابهة”…
ويستخلص من هذه الفقرة القصيرة، كما يمكن أن يستخلص من باقي
النصوص الأخرى لكمال العيادي، ميزة الكتابة ونكهة الذات العيادية وحلولها بنصوصه. ذلك أن صدق التجربة، يجعل نصوص العيادي قريبة من الوجدان، ونافذة إلى القلوب وصعبة النسيان..فالعيادي بقدر ما يحسن وضع الإطار ويؤثته
بما يلزم من ديكورات وتفاصيل وجزئيات بقدر ما يتحكم في تحريك عجلة الزمن
بفتح نوافذ متعددة في النص الواحد ليطل على الماضي أو المستقبل أو ليطل فقط على راهنية الواقع، مبدعا كتابة تجعلك داخلها معنيا بتفاصيلها وكأنك المعني الأول والأخير بها.0 تقول القاصة لطيفة لبصير في إحدى تعليقاتها على نص لكمال العيادي: ” عينك رأيت بها الآخرين، أحسست بكثافة الأشياء والعين النهمة التي تلتهم كل المحطات المهملة والشعوب الغريبة عن الأوطان دون شعور بذلك..” وفي إحدى تعليقاتها تتساءل المبدعة التونسية آسية السخيري ” قل لي يا كمال كيف لك أن تكون شاسعا إلى هذا الحد؟”
وطبعا كمال العيادي لن يجد جوابا لهذا السؤال، لأنه مشغول بديون الوقت التي استلفها من زمنه القادم، فهو دائما يقول إني أعمل أربعة وعشرين ساعة، وأستلف بعض السويعات القليلة مما تبقى من العمر لقليل من الراحة..وهو لا يسدد أبدا ديونه المستحقة، لأنه مفلس وقت على الدوام.
وحتى لا أطيل عليكم، فكمال كما عرفته سواء من خلال نصوصه وتعليقاته، أو من خلال مكالماتنا الشبه يومية، بواسطة الهاتف، فهو إنسان مرح كطفل، وعميق كأي مجرب خبر الحياة وخبرته، وفي ومتواضع بشكل رهيب لأصحابه ولمعلميه،
ذكي كثعلب وساخر كقرد، وسليط اللسان كعجوز شمطاء، ولكنه بقلب من حليب والأهم أنه مبدع كبير.ودائما يقول لي: أنا سعيد ومغتبط وأحسد بك نفسي..كوننا مثل نصفي فولة، ذائقة وذوقا ونصا وموقفا ومرحا وسخرية وقلبا ومئات الصفات المتشابهة ” لكني لا أصدقه،لأنه يعرف كيف ينفخك كبالون، حتى ما إذا طرت عاليا رماك بسهم دقيق كرأس إبرة أو تركك في الأجواء العالية حتى يسقطك الصقيع مرتخيا..لكن للحقيقة وللتاريخ وللإبداع أقول:”إن النص الذي ينزل دروب ولا يركله كمال العيادي فهو نص يتيم” وأنا فخور جدا بصداقته ومحبته وركلاته التي تطير نصوصي عاليا.

أحمد الكبيري
هذا البريد الالكتروني محمى من المتطفلين , يجب عليك تفعيل الجافا سكر يبت لرؤيته

أرسل لصديقك طباعة صيغة PDF