plus minus gleich

الوجه والقناع في قصص كمال العيادي

بقلم أنيس الرافعي

إن السرد الذي يقترفه الأديب التونسي كمال العيادي حمال وجه وقناع، يتبادلان باستمرار المواقع كما لو كانا حارسين في دورية لا نهاية لها.فالكاتب يدفع الوجه لان يتأمل بين حين وآخر القناع من الجانب الموازي.

 يحب أن ينظر إلى نفسه من الخارج. أن يفكر بذاته انطلاقا من عقل ووجود غريبين.ويوثر على وجه الخصوص أن يتمراى عبر حواس شخوصه وعدوى وجوههم، فينتهي به الأمر إلى الارتقاء إلى مرتبة القناع.

وعليه، فمهما صغنا من أسئلة حول الوجوه سوف نعثر دائما على أجوبة بعكس الاتجاه الذي تسير فيه الأقنعة. إذ أن قصص كمال العيادي يكتبها في منجز التخييل القناع، أما في خيال المتلقي فيتولى الوجه إعادة كتابتها فحسب.تماما كما يكتب التاريخ المنتصرون ويعيد كتابته المهزومون.

الوجه في قصص كمال العيادي هو الهزيمة النكراء، أما القناع فهو الانتصار الأكيد.

ففي قصة(انيتا) نلفي القناع زوجا متذمرا يكيل لجمجمته ضربة عقب باب تلو جدار، كلما همت الزوجة الضارية أن تجار بعقيرة الشكوى والليل وغيمة السجائر.وفي ذلك دليل حاسم على لا نسقية الوجه ورفضه المطلق لأي طراز من الاحتواء المؤسساتي البليد. القناع يبدو ظاهريا كأنه واقع تحت وطأة هذا الاخصاء الاجتماعي الممض، لكن الوجه يشهر خلاصه باختياره الأبدي أن يكون ضميرا منفصلا خارجا عن واو الجماعة.

وفي قصة( سردوك) نعثر على القناع فحلا، شجاعا، حواما، لا هثا في كل حدب وصوب وراء ماكينة النساء، وملوحا بقدرات استثنائية على الخلط بين فتحة الرقبة ومدخل السروال كما يليق تماما بديك حقيقي. وذاك بالتأكيد إعلان صريح من لدن الوجه عن عطش جنسي وارف وعن ذكورية متعالية لا تقبل الدحض. ونكاية في نظريةالسيد فرويد شخصيا، يتعاضد الوجه والقناع باعتبارهما المعادلين الموضوعيين لتحالف الوعي واللاوعي ، ليكشفا بلا حياء عن رغباتهما الليبيدية الدفينة على رؤوس الأشهاد و العزاب والقراء.

وعند الانتقال إلى قصة( رسالة مستعجلة إلى حبيبتي الالكترونية) نقبض على القناع متلبسا مع سبق الإصرار والهوتمايل بسطري خيانة لا غير من عشيقة شديدة الافتراضية والحصار. سطران يستعيرهما الوجه للكشف عن رغبة مزمنة لحيازة حب مستحيل و خارج قواعد السماع والقياس والأعراف في أزمنة الحواسيب التي بلا قلب.

أما قصة( المربوع) فتسلط الأضواء الكاشفة على جدلية التصور وتناقضاته بين كل من القناع والوجه. القناع مؤمن على شاكلة المرحوم مونتيسكيو بان التاريخ لا يتحرك إلا بالدماء، في حين أن الوجه مفند عنيد لطرح من هذا العيار الطوباوي الحالم لما اكتشف بعد فوات الأوان وفيما أمه تقوده بدموعها الفسيحة إلى مركز الأمن بان التاريخ رواية بوليسية قامت بغتة أياد مجهولة بقطف بعض من صفحاتها الأخيرة.

في قصة ( باريسا) القناع شاب وفي لمزاجية الثلج، يعبر المسافة الفاصلة بين القيروان والبلد الغامض ، بينما الوجه بذات الوفاء يعيد الطائرة كهلا ليجتاز المسافة الناعمة بين الكسندروفا وميونيخ حيث لا يعتذر الماء ولو لمرة واحدة عن تأخر كلب كافكا والبجع الوحشي.إنها لعبة تنس من دون شبكة بين ذاكرتين طاعنتين في الحنين والأمكنة ومضرجتين بالاغتراب والجروح النرجسية .

ولو عرجنا على قصة ( حميد ميتشكو) سوف نجد أن القناع زائر بالغ الإخلاص كما يجب لرجل الميترو البرتقالي الذي مات منذ يومين في آخر غرفة الغسيل بآخر طوابق الحياة. حكاية متألقة بأوجاع ظهر جمة وديون فسيحة وكسور مزدوجة في الروح وبطاقة دهشة معتبرة لوجه ما زال على قيد الصداقة والوفاء الجميلين لكل الكائنات الأمارة بالهامش والآيلة للنسيان القاسي.

وعند استقراء القصة البديعة الموسومة ب(صاحب ربطة العنق الخضراء) نعثر على واقعة التقاء القناع بوجهه ذات حانة ألمانية كما التقى بورخيس الشاب ببورخيس العجوز في إحدى حدائق بوينس ايرس. القناع كان مزودا باعتقاد شاهق أن الأمر واقعي على نحو لا غبار أو مطر عليه وليس ثمة مجال أو زجاج لانعكاس الصورة على الواجهة، بينما الوجه كان على قناعة راسخة بأنه لم يتواجد على الإطلاق وفي أي يوم من الأيام في عين المكان.

وأخيرا، في القصة الرائعة المعمدة ب( رحلة إلى الجحيم) يحترف القناع لعب دور قناع آخر في عرض مثير لبث الرعب في نفوس الجمهور.قناع القناع يتمادى في تقمص شخصية السفاح فرايدي الذي يتسلل إلى الأحلام ليقطع الأوصال ويمزق الأعضاء بوحشية جديرة بالفصل الرابع من رواية “نادي القتلة” لتشاك بولانياك، لكن الوجه يرده سريعا إلى جادة البراءة فينتهي إلى تحطيم الدمية الملونة المصنوعة من البلاستيك المقوى كي يستعيد آدميته المسفوحة على الركح.ولتذهب ال100 أورو إلى الجحيم.

تعددت الأقنعة والوجه واحد تلكم هي خلاصة هذا الحفر الاركيولوجي العاشق في الطبقات السرية لقصص كمال العيادي.القناع يمارس هوايات شتى إلا أن ميله الحقيقي يكون دائما إلى مهنة الوجه.القناع ليس لقاء عرضيا ، بل هو كنز ابدي للوجه. يظهر القناع كالسحر ويختفي بالسرعة ذاتها. انه هبة نكسبها دون توقع ونفقدها دون استحقاق كي نصل في نهاية المطاف إلى الوجه.

وباختصار كلما أوغلنا في شك الأقنعة إلا وازداد يقين الوجه وضوحا وجلاء تماما مثل انقشاع صورة فوطوغرافية في مرآة تطاير ضبابها.

والصورة الفوطوغرافية، طبعا، لمبدع عربي متميز اسمه كمال العيادي وحده من يعرف ما الذي وقع أو يقع أو سيقع تحديدا في الجهة الأخرى، أي ما يعتمل وراء أو أمام الوجوه تارة، والأقنعة تارة أخرى، أو ما وراء أو أما م الوجوه والأقنعة تارة واحدة.

البيضاء في 03-02-2006

 

أرسل لصديقك طباعة صيغة PDF