plus minus gleich

التقابل والتناص في قصة “باريسا ” لكمال العيادي

د. الحبيب الدائم ربي

قد يشكل انفلات أدوات اشتغال الكتابة في نص “باريسا ألسكندروفنا والبجع الوحشي”- للكاتب التونسي، المقيم بألمانيا، كمال العيادي- مأزقا حقيقيا ومربكا

للترسيمات الديداكتيكية المعنية بأجناسية النصوص؛ من منطلق كونه، وإن انتظمته حاضنة القصة القصيرة، قد يتقاطع وأجناس سردية مختلفة كاليوميات وأدب الرحلة والسيرة … بيد أن هذا الانفلات بالذات هو ما يشكل شعرية النصوص الأدبية وإبداعيتها، مادام التجنس ليس معطى جاهزا و مستقلا عن سيرورة الإنتاج والتلقي...

 فالكتّاب، حسب رولان بارت، لا يؤشرون على هويات نصوصهم إلا حينما تراودهم شكوك بشأن مراعاتها لحدود انتمائها المفترض إلى شجر السلالة. ولعل كمال العيادي بتأطيره لهذا النص تحت يافطة الــ”سرد”تارة وتحت يافطة القصة تارة أخرى*، كان شديد الوعي بهذه الحقيقة، حيث تتأبى كتابته- لا في هذا النص وحده- على التصنيف الجامد ضمن منظومة السرد المتحركة. ولئن كان الكاتب هنا قد رسم ملامح نصه وفق محددات قصصية (الأمكنة، الأزمنة، الشخوص والوقائع) فإنه سرعان ما اختط للنص مدارا أوسع ضمن مجرة الحكي بوجه عام، مداخلا بين مكونات عديدة في فسيفساء مطبوعة بغير قليل من الانسياب والدقة. من ثم فإن متن الحكاية،الذي يبدو، للوهلة الأولى، خادعا ببساطته سرعان ما يتشظى ويتشعب طوائف قددا. فالسارد يستعيد – بنوستالجيا حارقة- ذكرياته مع الأفضية والشخوص حين كان “طالبا للعلم أو لبعضه” بموسكو السوفياتية، موظفا في ذلك آليتي الانتخاب والإقصاء.وهو بذلك يمارس انتقاء واعيا لما ينبغي استحضاره أو حذفه، بمقدار ما تحتاجه هندسة البناء النصي. ورغم أن شخصية باريسا ألسكندروفنا- المسؤولة السابقة عن مبيت الطلبة- تمثل نواة التبئيرالحكائي إلا أنها ليست سوى ذريعة شارطة لانثيال الذكريات التي يستحضرها السارد.. اعتمادا على التقابل والتناص كقيم توليفية وجمالية:

1-التقابل أو التحول

من المعلوم أن الطباق والمقابلة تلوينان بلاغيان ينضويان ضمن مبحث علم البديع والمعاني. وهما يقومان، على التوالي، بإيراد اللفظ المفرد ونقيضه في المقام الواحد، أو بإيراد المعاني وما يخالفها على التوالي، لأغراض تحسينية وبيانية. والانتقال من بلاغة الجملة إلى بلاغة النص ليس اعتسافا في حق المصطلحات والمفاهيم،وإنما هو أحد مرتكزات الغراماتولوجيا(نحو النص) الحديثة. وقارئ “باريا ألكسندروفنا والبجع الوحشي” سيلاحظ، بلا شك، أن معماريتها تتحكم فيها، بدءا من العنوان كأيقونة سيميائية منفتحة على كل التوقعات الممكنة، مجموعة من التقابلات( الوطن/الغربة،اليوم/ الأمس،حاضر موسكوالروسية/موسكو السوفياتية،العجائز/ الصبايا، بن لبنان/قهوة موسكو، النفور/الرضا…إلخ) التي تطاول أغلب المكونات الجوهرية البانية للنص. وهي لا تقتصر فقط على التناسبات الخارجية وإنما تركز أيضا، وبالأساس، على ما هو جواني وحميمي من حيوات الشخوص . فالمراوحة السردية بين زمكانين سمحت للحكاية الإطار بتشغيل تقابلات نووية وحكايات عنقودية متنوعة. عبر مساحات شاسعة من الاختلافات، بل والتناقضات كتلك التي توجد، تزامنيا، بين درجات الحرارة في الوطن(ثلاثين فوق الصفر) ودرجاتها في الغربة(ثلاثين تحت الصفر) أو، تعاقبيا، بين الماضي(الاتحاد السوفياتي) والحاضر(جمهورية روسيا). فــ”حدود العالم تغيّرت بشكل جذري، بحيث لا يمكن الاستمرار في خداع التلاميذ بتعديل حدود روسيا الجديدة فقط عن طريق إضافة تقاطعات ملتوية بقلم العناوين الأسود، حتى تبدو كآثار حلازين غمست في الحبر، ولكن برسوم وقتيّة جديدة تأخذ في الاعتبار كلّ البلدان النابتة حديثا بالكتلة الشرقيّة سابقا”( من قصة حميد ميتشكو).

والماقبل والمابعد ناظمان مركزيان تنهض عليهما،تركيبيا ودلاليا، خوارزميات هذا النص.إذ في البين بين يشتد التوتر ويتعمق التقابل. لقد كان اجتياز “الممر الفاصل بين الطائرة ومطار موسكو الدولي” لحظة فارقة في حياة السارد/ البطل لأنها ستنقله من النقيض إلى النقيض .” ونحن نعبر المسافة الفاصلة بين الطائرة، وذلك البلد الغامض، كنت مشدودا ومتوجسا من شيء ما، وكانت بي رغبة في العدو، باتجاه المطار أو العودة حيث الطائرة…. كان المهم عندي هو عبور الممر بأسرع ما يمكن”. لهذا فمهما كان الممر قصيرا فإن آثاره النفسية، بما هو فضاء عتبة، ستكون نافذة وعميقة. “لم يكن ممرا عاديا، ولكنه كان حلقوما طويلا مثل الثعبان“. بكل ما يحمله هذا التشبيه من إيحاءات ورموز.. فحياة السارد في موسكو القديمة عرفت حدين فاصلين: ما قبل التعرف إلى باريسا وما بعد التعرف إليها، وموتيف” البن اللبناني المحنك” في تعارضه مع “قهوة روسيا الكريهة“(التذكير والتأنيث هنا ليسا اعتباطيين) جعل باريسا، التي “كانت ابتسامتها تخفي فعل الزمن على وجهها بشكل مدهش“، “عند الرشفة الثالثة” تنسى” ما جاءت من أجله، وكانت آخر آثار الغضب تتراجع في زرقة عينيها”. لـ”تتعرى من أقنعة الوظيفة”، و” تتحول من امرأة تستشيط غضبا إلى امرأة وديعة تتلو أشعار ألكسندر بوشكين ، “ وهي تمسك نفسها من البكاء بصعوبة“. بل إن الشعر نفسه- وشعر بوشكين تحديدا- سيصبح بنكهة مخالفة في ذائقة السارد عند لقائه بباريسا. ” ورغم عشقي للكلمة وشغفي الشديد بالشعر، فقد مرت سنتان قبل أن أتعرف إلى باريسا ألكسندروفنا“. بيد أن هذا التحول – بمفهومه الأرسطي-لا يمس عناصر الحكي في عزلتها الأحادية بل في تفاعلها مع بعضها.أي أنه تحول مزدوج ومتعدد يتم فيه تبادل المواقف والأدوار والانتقال بين الأطوار..فبينما كان السارد، هو البادئ إلى اختلاق الحكايات الغرائبية لباريسا غدا هو المستكين لسماع حكاياها. والنفور من ديار الغربة والحنين إلى الوطن،ما فتئا، عنده، أن تحولا إلى خلافهما لحظة العودة. “وأحسست بأنني عدت ثانية داخل نفس ذلك الحلقوم الطويل الذي كان يربط بين الطائرة ومطار موسكو الدولي، وكانت دمعة باريسا ألكسندروفنا- خيطا- يشدني باتجاه الجانب الآخر عكس اتجاه الطائرة“. وعلى غرار مصطفى سعيد بطل رواية “موسم الهجرة إلى الشمال” – الذي كان يتصرف في الغرب كشرقي وفي الشرق كغربي- فإن السارد في نص محمد العيادي بدوره،حين عودته إلى أرض الوطن،فقد بوصلة الأحاسيس، ولم يعد يحتمل ” دعابات الأصدقاء القدامى” ، و” صياح ديكة الصباح!” ، ولا حتى ” حنان والدته وتصفح جرائد المساء“. ولأنه ما من خيار أمام حالة اللاتوافق هذه فلن يكون أمام البطل غيرالرحيل، الحقيقي أو الرمزي، بيد أن سارد”باريسا ألكسندروفنا والبجع الوحشي” لن يلقي بنفسه في النهر كشأن شخصية الطيب صالح،وإنما سيختار الغربة، من جديد(ألمانيا هذه المرة). ولن يحمل معه سوى كتب عربية مختارة بعناية، في مقدمتها بالطبع، ديوان” أغاني الحياة”لأبي القاسم الشابي، ككناية على حب الوطن على علاته، و الرغبة في الاستمرار رغم كل الأحداث التي عصفت بالاتحاد السوفياتي- موطن الذكريات- والذات والوطن والأصدقاء والبجع الوحشي! مادام الشعر هو كيمياء التحولات كلها، والملاذ حين لا ملاذ. كما أوصت بذلك باريسا وهي تودع السارد في المطار:”إذا عصفت بك الأحزان فلذ ببوشكين…وحين تقرأ له،تذكر جيدا أنه كان يخاطب الورد بأسمائه، وأنه كان يعتذر للماء عن تأخر البجع الوحشي…”..
2-التناص:

يستوحي كمال العيادي دوما في نصوصه، وفي “باريسا ألكسندروفنا…” بالذات، مجموعة من النصوص الغائبة: لفظا أو تلفيظا،نصيا أو تحويرا، تصريحا أو تلميحا، مما يضفى على كتاباته سمة التعدد النسقي.أي التعدد داخل عضوية الوحدة النصية. والاستحضار لديه لا يشترط، دوما وبالضرورة، وجودا نصيا مرجعيا سابقا للكتابة. فهو قد يختلق نصوصه المرجعية من دون كينونة سالفة، موحيا في الآن ذاته بمنجز متحقق خارج ما تشيده الكتابة عنده. والمرجح أن نصوص الانطلاق عند الكاتب هي في الغالب جزء لا يتجزأ من نسيج نص الوصول، مع ما في هذا التقسيم المنهجي من شطط أصلا. والسارد نفسه في إحدى التعريات الميتاحكائية يقول: “وكنت أختلق الحكايات. والغريب أنني كنت أشعر بأنني أقول الحقيقة تماما”. والحقيقة هنا هي ما يبنيه الخطاب السردي لا ما يحاكيه من وقائع محتملة. ولمحدودية الحيز في القصة القصيرة والجنيسات الدائرة في فلكها فنادرا ما يلجأ الكاتب إلى الاقتباسات، الخارجية، المسوّرة بعلامات التنصيص إلا لضرورات لازبة. لما في ذلك من إنهاك لسنخ النص المنذور إلى التركيز والضغط. والواقع أن تقنية الاستدعاء بقدرما هي ثابت من ثوابت الكتابة الروائية- نظرا لسعة صدرها كمحفل أدبي تلفيقي- فإنها (أي تقنية الاستدعاء) ، في السرود القصيرة، مجازفة لا يركبها إلا من يمتلك القدرة على تدبير إكراهات الأحواز(جمع حيز) المجهرية بمهارات جراح رقمي.ويبدو أن كمال العيادي يلجأ، بقصدية لا لبس فيها، إلى بعثرة نصوصه بخلق بؤر جذب وتوتر،الواحدة تلو الأخرى، مهددا بتفجير جسد النص، كإحدى الممكنات القصوى. لكنه وفي اللحظة الحاسمة( لحظة تحول معطف غوغول إلى رقع،وذئب بول فاليري إلى قطيع أكباش!) ،يعيد، بالرتق، النص الخَلق- بكسر اللام- إلى نص جديد، متماسك وصلب!

وكما تمحورت الحكاية حول الوشائج التي آلفت بين السارد وألكسندروفنا، شكّل ألكسندر سرغاييفيتش بوشكين من جهته، بشخصه وشعره ، مناصا كبيرا تلتقي حوله باقي التفاعلات النصية الأخرى. علما بأن مفهوم النص، قد يتجاوز ما هو لفظي وكتابي إلى مختلف الأنظمة الإشارية والأنساق الدالة، وفقا لما انتهت إليه التنظيرات البويطيقية(الشعرية) حول ظاهر النص وحبله السري.هكذا إذن يحضر بوشكين الموسكوفي الذي “تربى على عشق الحرية” ، القارض للشعر” في سن مبكرة جدا”،الغاوي لــ”التنظيمات السرية” والمنخرط “في الجمعيات المعارضة للنظام القيصري الرجعي”. بوشكين الذي تعرض “للنفي والاصطدام بالقيصر” والذي قضى ، في النهاية ” إثر مبارزة دبرت له مع ضابط فرنسي”. وتحضر بالتالي أعماله الشعرية الفذة: يفغين أونيغن، وروسلان لودميلا، ونافورة باغشي سراي، والأسير القوقازي،…بل و يحضر مقطع من قصيدته”روسيا” يقول: ” إني أحس سماع أصوات البعوض… وصوت أفراح الصبيان فوق المرتفعات… حيث يثيرون الصخب… كي تأتي الصبايا”. وفي خلفية هذه الإعارة النصية أصداء لنصوص بوشكينية أخرى تؤثث الفعل الثناصي دونما إفصاح عن ذاتها: “كنت أحفظ عن ظهر قلب- كما يقال- ستة مقاطع من شعره رغم أننا كنا مطالبين بحفظ مقطعين فقط”.

إن بوشكين، في كليته الوجودية والرمزية، باعتباره رافدا أساسيا من روافد نص”باريسا ألكسندروفنا والبجع الوحشي”، ينسج تقاطعات علائقيه مع نصوص أخرى، لفظية، تحضر عبر عناوينها الكبرى المميزة كـ:”أغاني الحياة” لأبي القاسم الشابي،ومسرحية “بيارق الله” للبشير القهواجي، ورواية”حدث أبو هريرة قال…” للمسعدي، ونسخة معربة من الكتاب المقدس،والقرآن الكريم،أو يشار إلى أصحابها كـبراشت وهيغل ونيتشه وغوته…أو بواسطة جوامعها الجينيالوجية( مجلات، كتب، جرائد، رسائل، إلخ): “كانت ترقد مجموعة ضخمة من الكتب باللغة الروسية والعربية والفرنسية، وكومة أخرى من الصحف والمجلات العربية، ورسائل مبعثرة، وأوراق متنائرة هنا وهناك.”. فضلا عن حكايات ملفقة ووهمية كتلك التي يرويها السارد عن والده أو عن “يوشا” كلب بوشكين. وهي في الغالب مبتورةعمدا،وملء فراغاتها متروك لنباهة المتلقي وسقوفه التخييلية. تماما كالصفحات التي كان منتظرا من السارد تحبيرها يوم الامتحان. “وعرفت عنه ما يكفي لأسود بياض عشر صفحات عند الامتحان آخر السنة الدراسية”. وبما أن صنعة الكتابة عند كمال العيادي تتوسل الترسيب والإركام لتخليص النصوص القصيرة من خفتها المحتملة، فإن الكاتب باشر في “باريسا ألكسندروفا والبجع الوحشي”، إلى جانب التقابل والتحويل الحكائين، عملية تلفيظية تم بمقتضاها تصيير ما ليس لغويا نصا لغويا.وعليه سيغدو تمثال بوشكين نصا داخل النص، مثله مثل باقي الصور والرسوم الحاضرة الغائبة، “المختلفةالأحجام والألوان والأشكال والمواضيع” :”رسم لوجه الفرعون توت عنخ آمون، وآخرلبيكاسو، وسالفادور دالي،وبوب مارلي،وألان باركن والحبيب بورقيبة،وكلاوس كينسكي،وأوجين يو نيسكو، وليرمنتوف”،وصورة والد السارد وغيرها..

واللافت أن كمال العيادي في قصصه، ومنها هذا النص، يمشي في الاتجاه المعاكس لما يلجأ إليه سواد كتاب القصص والروايات، فهو يخاصم كل الابتزازات الشكلية والمضمونية ليقدم نصا عاريا إلا من أدبيته المرهفة وعمق أغواره.ذلك أنه لا يتخفى،مثلا، وراء” عنصر التشويق” أو خلف جرعات زائدة من اللقطات الساخنة كي يخفي عجزا أو يحتال على قرائه. ولكنه يقدم، في السطور الأولى، أوراقه دفعة واحدة. في خلاصات مركزة؛ من قبيل:”حدثت بعد ذلك حوادث شتى، وفرغت من نفسي بذلك البلد، حتى اكتفيت أو كدت، وألفت المكان حتى كاد يألفني، وقدمت له أجمل سنوات شبابي قربانا… وكنت راضيا وأكثر.” أما الآصرة التي توجد بين سارد كمال العيادي وباريسا الأربعينية فهي شفافة وبريئة كما لا يقع في القصص،عادة، بين رجل وأنثى يتعارفان ويتآلفان. إنها ليست شيئا آخر غير شعر بوشكين. بيد أن “كشف المستور”، في ومضات سريعة، قد يشد انتباه القارئ إلى دقة التفاصيل الآتية، ويغريه بالنهل من العيون الدفاقة،عند كل حدب وصوب، من نهر السرد الهادئ المنساب.الصادق والمقنع، حيث تتصادى القصة القصيرة بالحكاية واليومية والسيرة والرحلة والقصيدة في تناغم وانسجام.
وعليه فإن تجربة كمال العيادي في الكتابة السردية والقصصية تنماز بالغنى والتنوع على صعيد البنيات التركيبة والدلالية . والتجريب عنده تحكمه غائية تحصيل طحين وفير من دون فائض جعجعة..فالبساطة والتقاط التفاصيل الدقيقة والمؤثرة في سيرورة الأفراد والجماعات، والمزج بين الواقعي والتخييلي ، بين التاريخي واليومي، بين الذاتي والموضوعي ، بين المعرفي والاستتيقي، قد يسمح لنصوصه، على قصرها ،كشأن قصص بورخيس وبول بولز ويوسف إدريس ونجيب محفوظ وسواهم….باستثمارات تتعدى الحوامل الورقية إلى إمكانية معانقة محاتد ترابطية جديدة.

نص” ألكسندروفنا والبجع الوحشي” :

 

أرسل لصديقك طباعة صيغة PDF