( بديل القيروان )
درّبت ذاكرتي على النّسيان.
قايضت وزر الأهل والأصدقاء
بسبائك صّمت رصاصيّ.
ولكنّـــــــــني
ومذ عشرين سنة أو تزيد
يخيّل لــــي
وأنا أفتح نافذة غرفتي للصّباح
أنّني أسمع صوت نشيجها من بعيد.
يا طيور النّورس
أطعمتك خبزي
وفتحت لك كوّة نافذتي
حفظت ودّي ووعدي لك.
يا ما قطعت من الجبال
يا أمواج البحر النّدي
يا صقيع الصّقيــــــع
يا ثلجي الأبيض والورديّ
كن بيني وبين صوت نشيجها
زوّر أختام العمر وما مرّ
اطلق لساني
ثبّت بياني,
سوّ لثغتي
وعدّل لكنتي.
يا طيور النورس
وأنت أيّها الجبل القديم
أيّتها الرّيح
يا سور القيروان الغربيّ والشّرقيّ.
يا شجرة الخروب المتفخّذة قبر جدّي
بمقبرة الجناح الأخضر.
يا من أعرف ولا أعرف
يا من غاب عني اسمه
يا من لفظني.
يا من يغفر من أضدادي
تصفّفوا,
تصفّفوا الآن لعقابي
ادخلوا جسدي من كلّ صوب.
شوّشوا روحي
اشغلوني الآن,
اشغلوني الآن عنها.
إثقلوا سمعي,
إثقلوا قلبي وذاكرتي بهموم أخرى
حتّى لا أسمع صوت نشيجها
يسوطني من بعيد
كلّما فتحت نافذتي للصّباح القريب.
ما أعجب صباحات هذا المنفي
يحميني من مسامير الثلج وابر الصّقيع
بجلود مجفّفة من ثعالب مسلوخة
وفراء دّببة مقتولة قبل عام.
ما أعجب هذا المنفى
أتدثّر بلحافه فلا ينهرني
اعبث بأختامه وقوارير زينته
فلا يزجرني
أغيب فيه سنة, حتّى لا يراني
ثمّ أرجع
فلا ينكرني
أخبأ في الشقوق مفاتيح أبوابه, وأنسى مواضعها
فلا يعرض عنّي
ولكنّه
يسوق لي صوت نشيجها, كلّ صباح.
وأنا أفتح نافذتي.
صوت نشيجها الذي يسوطني من بعيد.
وحدي.
يا وحدي المرّ
وهذا الصّمت المطبق حدّ الموت
لماذا لا أرى من وطني
غير شاهدة القبر.
وسطرين من الشعر
أنا الذي لم يسر في شرايينه
غير نمل الكلام.
ولم يطرب سمعه
غير قرع الكؤوس,
وترانيم آذان الفجر والصّلوات.
ربّي الشرقيّ
إلاهي الغربيّ
خبّأت حزني الدّفين عن الأحبّة
وضربت في الأرض ما اتّسعت
بما ملكت يدي.
وهذا ربّي عقاب عسير.
فاثقل سمعي , وقلبي وذاكرتي
وأعني ربي, وأنا أفتح للصباح نافذتي
فلعلّي لا أسمع صوت نشيجها
صوت نشيجها الذي يسوطني من بعيد.


