plus minus gleich

صباح الفلّ يا محروسةّ

مع ملف مصور
1- التسلّل إلى القاهرة فجرا

كنت اخمن ذلك وأتوجّس منه على كلّ حال. فدخول القاهرة فجرا بذلك الشكل المفضوح, أيّما كانت البوابة أو الوسيلة أو الدّابة, كان كفيلا بإثارة أكثر النّفوس والقلوب بلادة وموتا. فكيف بقلب لم يعشق منذ بدء الدّهور سواها ؟… وكيف بنفس هائمة منذ أوّل السكون والحلول بطقوسها وأناشيدها وسحرها وغواية حرّاسها الأشدّاء…النّيل والحسين والهرم الأكبر...

الأرواح, كما النّفس, لا أنثى ولا ذكر. ولكنني وحتى اليوم أؤنث النيل وأذكّر الهرم وأخطأ في ترجمة ضمائرهما إلى كلّ اللّغات التي أتقنها. وكثيرا ما أقدمهما للغرباء بدون ضمير…تدلّلا وتضليلا.

سائق التاكسي الأوّل الذي اعترضني عند باب المطار الدوليّ, لم يتعرف عليّ…وعموما فلم أكن أنتظر منه ذلك أصلا. كان مشغولا بحقيبتي وتخمين هويتي تقريبا من خلال جودة صنعها ومتانة مقابضها وقماشها السمين. لاحظت الدّهشة في انقباض ملامحه وأنا أؤكد له للمرّة الثانية بأنني لم أترك أيّ حقيبة أخرى داخل بهو المطار. وبأنّ هذه الحقيبة الزّرقاء الصغيرة, هيّ كلّ ما يخصّني. أردت أن أضيف على سبيل الفذلكة والدعابة بأنّ الطيور المهاجرة لا تحمل حقائب خلال ترحالها, ولكنني لذت بالصّمت استعدادا لطرح السؤال الوحيد الحاسم الذي كان سيحدد كلّ شيء بيننا.
وقفت فجأة قبل الوصول إلى الباب الرئيس للخروج وسألته عن المبلغ الذي سيطلبه كأجرة من المطار حتى فندق مدينة السعادة
Happy City بشارع محمد فريد بحي عابدين. أجابني بصوت متملّق لم ارتح إليه إطلاقا بأنّه يمكنني أن أدفع أيّ مبلغ أريد. وحين لاحظ إصراري على عدم التحرّك وانتظار الجواب حالا. قال بأنه يمكنني أن أدفع مائتين وخمسين دولارا أو بالأورو الأوروبي…كما أريد.
حسبت المبلغ في رأسي بسرعة, فوجدته يعادل ألفا وثمانمائة جنيه…وهو مبلغ كان يكفي لإيصالي إلى دمشق والرجوع بي إلى القاهرة عبر بغداد والأردن مع اعتبار البقشيش والمكافأة. كنت أعرف مسبقا بالطّبع, بأنّ المبلغ الحقيقي لا يمكن أن يتجاوز الأربعين جنيها… وفي أقصى الحالات الخمسين جنيها وبدون عداد فوق ذلك. فالمبلغ بالعداد لن يتجاوز الثلاثين جنيها بأي حال من الأحوال.

أمسكت بمقبض حقيبتي وظاهر يده عليها في آن عند خطّ الباب النهائي تماما, حيث الحدّ الفاصل بين الضوء الظلام وطلبت منه بصوت صارم وحاسم ترك حقيبتي. و وضّحت له أيضا بأنني لم أطلب منه أساسا مساعدتي في جرها ولا طلبت الركوب معه أصلا.
ذهل في البداية. ولكنه ضل يحاول بإستماته إغرائي بالتوصل إلى اتفاق ما. حتى أنه عرض علي أخيرا مبلغ عشرين دولارا. وهو مبلغ كنت سأعطيه ضعفه عن طيب خاطر في البداية…وحين رفضت أيضاو سمعته يقول يائسا…طيب مائة جنيه يا باشا أعقب بقنوط. ثم لمّا تيقّن من ضياع الصفقة نهائيا أخبرني بأنه يسكن قريبا من عابدين وبأنه سيعود وحيدا في كلّ الحالات وبأنه يمكنني أن أرافقه مجانا…وتهيأت أن أسمع منه شتيمة بذيئة من العيار الثقيل وأنا أتركه صوب الجهة الأخرى دون أن أردّ عليه …ولكن صوته وصلني صادقا صافيا وبدون أيّ أحقاد صائحا بمرح ولطف غير مغشوش….نوّرت مصر يا باشا…ألف حمد لله على السلامة… شعرت بخجل وفكرت أن أناديه وأعطيه ضعف المبلغ الأخير الذي طلبه. لكنّه اختفى فجأة وكأنه لم يكن في أيّ وقت من الأوقات. وتذكرت حينها نصيحة من أحد الآلهة قبل أكثر من عشرين سنة حين صارحتني وقد ارتضت قرباني, بأنّ طقوس الزيارة الأولى إلى القاهرة, لا تصحّ إذا لم يضحك عليك…وإذا لم تستمتع بذلك بدون توتّر.

والحقيقة أنّ الشيء الوحيد الذي حيّرني جدا وأربكني فعلا, هوّ اختفائه الفجائي المذهل هكذا. حتى أنني فكرت في ثانية واحدة إذا ما كان هذا الاستقبال امتحانا متعمدا لي, من قبل أرواح هائمة فضلت السهر حدّ الفجر فوق مطار القاهرة الدّولي والعبث بالزوّار الوافدين لأوّل مرّة, قبل العودة إلى مقابرها البعيدة مقدار أقلّ من نصف دورة عربة الشمس حول خاصرة النيل العجوز.

انتبهت من ذهولي على صوت متكسّر باللّغة الألمانية يسألني إذا ما كنت الأستاذ كمال العيادي القادم من مونيخ عبر خطوط برلين ؟ وحين أجبته بالإيجاب, رحب بي بحرارة بملامح مصرية لا يخطئها المرء وأشار إلى عربة مكروباص بيضاء فاخرة عند الجانب الأيمن وراء البلّور المصقول…
- أستاذ كمال, نحن ننتظرك منذ مدة.

اللّعنة, نسيت تماما أنّ الشركة الألمانية التي حجزت لديها التذكرة والفندق من الإنترنيت, كانت قد أرسلت لي إعلاما بأنه سيتم الاهتمام بوصولي إلى الفندق والعودة منه بعد ذلك عند العودة مجانا.

حين ركبت المكروباص, كان هناك عدد من الألمان موزعين بين المقاعد الفارغة, وكلّ يحاول التظاهر بعدم الضيق من تسببي في تأخير إيصالهم إلى فنادقهم المسبقة الحجز. ألقيت عليهم التحية الباردة باللّغة الألمانية…مووووورغن Morgen . وتعني حرفيا: صباحا, وهي اختصار بليد لعبارتي صباح الخير. ذلك أنّ الألمان يوفرون على أنفسهم الحشو في الكلام ما استطاعوا إلى ذلك سبيلا…فهم يكتفون عند التحايا بعبارة مساء, بدل مساء الخير, وعبارة ليلة…اختصارا لعبارتي ليلة سعيدة وعبارة إفطارا, اختصارا لعبارتي إفطارا شهيا وقس على ذلك كل التحايا التي تحتوى على كلمات لها قيمة لها في البورصة… مثل الخير والجمال والحب والصحة وغيرها…و على أساس أنّك تعرف مسبقا ما يريد محييك قوله …فلماذا كلّ هذه المبالغة والإطالة في الكلام وإضاعة الوقت. والوقت من ذهب ….

عابدين / السادسة صباحا:

استيقظت عند الساعة السادسة تماما…نصف ساعة فقط من الغفوة العميقة. كنت قد وصلت قبلها إلى غرفتي منهكا بشكل لم أعهده فيّ. ولكنني وبعد نصف ساعة أو أقلّ, وجدتني أصحو فجأة متوثبا وكأنني نمت ثلاثة آلاف سنة أو تزيد. نظرت حولي فلم أر الشمس ولا النيل. سجّاد الحصير الملوّن فقط, تحوّل بفعل الزّمن إلى منشفة كبيرة من القطن الأبيض عند موطئ القدمين.

تمثال الكلب الأسود الحارس, ذلك الرابض أبدا يسار الشباك, كما تركته منذ ثلاثة آلاف سنة, اختفى وثبتوا مكانه جهاز تلفزيون خشبي في حجم ذراع ونصف الذراع, تنط في بطنه البلوريّ كائنات غريبة مثل النسانيس. كائنات تشبهنا ولا تشبهنا في آن. فتيات كالفتيات, مثل الورد, محشورات في ملابس غريبة. وأحيانا بدون ملابس. أحيانا يبكين وأخرى يضحكن ويتعانقن ويقفزن في الماء ثم ينزلقن عنه غير مبتلات…ترى الواحدة منهن تموت محترقة أو مقتولة هنا ثم تخرج لك من الماء كسمكة قرش في قناة أخرى… مجرّد زرّ يحيي ويميت…
رجال في لباس نساء ونساء في أجساد رجال. كهنة وموظفون في أزياء متشابهة, يتحاورون بحماسة حول المستقبل من خلال تحليل آهمّ أبعاد اعتماد خطّة ثلاثة ثلاثة أربعة. كأضمن طريقة للهجوم الدفاع السريع في آن. بدل خطة الاثنين أربعة أربعة التي لا تخدم البلد و الوطنية واللعب الرّجولي النظيف الذي عودنا عليه أبطال مصر منذ فجر التاريخ وعصره وظهره.

انتبهت مرّة أخرى إلى وضعي الغريب وأنا أبحلق في هذا الجهاز الذي كنت منذ طفولتي أنفر منه بطبعي. رفعت الغطاء وفتحت النافذة على مصراعيها بعد أن أغلقت جهاز التلفزيون.

لا الشمس ظهرت, ولا أنا أرى النيل بعد.
ولكن عابدين بدأت تتحرّك ببطء وتتثاءب….رجل في جلباب رماديّ يدفع أمامه عربة مليئة بالخبز [ الرّغيف ] وفي الجهة اليسار طفل في الرابعة عشر تقريبا يرشّ الماء أمام محلّ كتب على اليافطة أعلاه ما شاء الله…أقرأ اليافطات واللافتات بمتعة كبيرة وكأنني أمحو عناوين الضوء الإلكتروني المزعج من ذاكرتي. كلّ اليافطات هنا, مكتوبة بخطّ اليد. خطوط ملوّنة بديعة تتقاطع حينا وتتكامل حينا آخر لتشكّل نسيج صورة مذهلة ومعتّقة لعرس الألوان البدائية الخالدة. صور ثابتة لا تنط ولا تتحرّك ولا تقفز بشكل مزعج وسخيف مثل معلقات الإشهار واليافطات في البلدان الأوروبيّة. ها هيّ ثابتة في وقار وكبرياء وسكينة كما تركتها منذ ثلاثة ىلاف سنة إذن, لا تتعجّل ولا تبالغ في الاستجداء. وعدى ثلاثة أو أربعة أبواب. فإنّ كلّ المحلات ما تزال مغلقة. لماذا اللّهاث والعجلة والرّزق في آخر الأمر بيد الله. وهو يرزق من يشاء.

أحسّ بإغراء لا يقاوم للنّزول إلى الشارع.
ألبس ما اتفق واتجه صوب المصعد آخر الممرّ. حين سلّمت المفتاح إلى موظف الاستقبال, سألني بلغة انجليزيّة سليمة إذا ما كنت أفضّل أن أتناول فطور الصباح في القسم المخصّص للمدخنين ؟ من المؤكّد أنه لاحظ علبة السجائر الحمراء في جيب معطفي. أعجبتني نباهته, فأجبته باللّهجة المصريّة التي تعلّمتها في طفولتي من شفتي فاتن حمامة وبحّة محمود ياسين وتماسك فريد شوقي وعمق أحمد زكي. بأنني لا أفطر عادة باكرا…ولكنني أرغب في القيام بجولة قصيرة أولا في المنطقة. فتمنى لي وقتا طيبا في ابتسامة مطمئنة صادقة لا يمكن تعلّمها في مراكز التكوين السياحي السريع.

وأنا أعبر بوابة الحاجز الأمني المثبتة عند الباب الرئيس للفندق, سمعت ذلك الصفير المزعج الذي يربكك سماعه في المطارات الدّولية, حين تريد أن تعبر بين حدودا مغلقة وأخرى حرّة. وقفت وأنا أحاول أن أخرج الكاميرا وكل ما يمكن أن يكون معدنيّا وتسبب في هذا الصفير. لكنّ الشرطيّ الخفير الذي كان يجلس على بعد خطوتين فقط ويشرب شاي العروسة, نظر صوبي مبتسما بحميميّة غير مبالغ فيها وحيّاني بتحيّة سكّان القاهرة الجدد كما سأسميهم فيما بعد.
ـ صباح الفلّ يا بيييييه…أنت نوّرت مصر والله.

تمثال محمد فريد ينتصب رغم حجمه الصغير نسبيا بكبرياء في قلب الساحة التي تحدّد اتجاهات الشّارع الأربع. وكذلك اتجاهات الأزقّة الثلاث المنحرفة عنها بشكل يبدو عشوائيّا من النظرة الأولى. لكنّك ستكتشف لاحقا أنّ الاتجاهات في مصر استثناء, لا يمكن إطلاقا أن تراهن أنّها أربع فقط. لذلك فعليك خصوصا أن لا تتسرّع في إطلاق أحكام هندسيّة غبية وعامة وأنت تبحث عن غايتك في خريطة معدّة ومطبوعة في بلد اليمين فيه يمين واليسار فيه يسار…في مصر, لا بدّ لك أولاّ وخاصة كسائح عربي, أن تهضم مجرّد فكرة أنّ وراء كلّ عربة فول أو بائعة سبانخ, كائن شبه اسطوري متنكّر وهو في آخر الأمر سليل آلهة وكهنة مازالوا يهددون السكينة العلمية بكشوفات وتجلّيات
من الممكن أن تهزّ وترجّ كلّ ما يتبجّح وسيتبجّح به الغرب من علوم ونظريات صارمة يدّعي أنّ أكثر أسسها قاربت الكمال منذ نصف قرن …رغم الإذلالات اليومية المسكوت عنها وليس آخرها تلك المخابر الأمركيّة التي تريد التأكد بأنّ الفراعنة لم يركبوا الفضاء بمراكب خشبية..

الأبواب مفتوحة إلى النصف المعلوم…وحشيشة الرّوح تتسلّق الصدر النّحيل …غبار قديم محنّك يغسل بقع النظافة المبالغ فيها في ذاكرتك المتعبة. أسرح إلى آخر الطّريق المتّسع وأنا أقاوم رغبة جبّارة في الدّخول إلى زقاق يتبدى لي من أخر يمين الشارع الفرعيّ. لكن” جبنا عارضا وحذرا مشروعا يلجم جماح رغبتي. فأهمّ بمقهى صغير في اتّساع غرفة. هناك يجلس رجل ضخم في جلباب أخضر أو كان أخضر في يوم ما. يدخّن النرجيلة وعلى جانبيه ثلاثة كراسي يسارا وثلاثة كراسي يمينا حتى ليبدو وكأنه لسان ميزان محفورا في حائط جانبيّ قديم.

عند الجهة المقابلة مجمرة فحم صغيرة وفي قعر الحانوت ابريق شاي وشاب بلا شوارب وطاولة من الحديد أو القصدير فوقها ثلاثة قطط صغيرة تنام معا وتتوسّد بطونها النحيلة وملعقة سكّر وكوب نصف ممتلئ من الماء. اتّجهت صوب آخر كرسيّ حتى لا أزعج راحة صاحب الجلباب المستخضر الذي كان يسعل كامل الوقت كذئب أخطأ في تقدير جحم قطعة اللّحم وهو يبتلعها دون مضغ. طلبت من الشاب شايا ونرجيلة, فزاد عليها كوب ماء وعازل بلاستيكي لفم ساحب الدّخان المعسّل بطعم التفاح الفواح.

أغمض عيني وأغيب في غبش الذاكرة والدّخان…أكلّ هذا الجمر الملهم في صدري وأنا الذي أحسبه منذ دهر رماد ؟ ألم يكن من اللائق أن أنفخ فيه بين الحين والحين لأطمئنّ على الأقلّ إلى بقاء النار فيه وبقيّة النفس بين ضلوعي الملفوفة منذ أربعين كمومياء لا يعرف أحد من هيّ وما هيّ ألقابها الرسميّة ولا ومعابدها الأولى قبل أن تنفصل مثل حبّة فول إلى نصفين…نصف من الضوء يعلو ونصف يهبط إلى الطّين.

 

أرسل لصديقك طباعة صيغة PDF
آخر تحديث الثلاثاء, أ ذار 16 2010