plus minus gleich

أرباع المثقفين من منظور السيّد – يُوَآخِين

- أرباع المثقفين من منظور السيّد – يُوَآخِيـــــــــن

لم أره في يوم من الأيّام منفعلا كما هوّ هذا المساء الممطر. طلب كأسا أخرى وهو يتلمّظ مرارة الكأس السّابقة وأكمل حديثه الذي قطعه التصفيق الحاد من طرف المبحلقين بذهول في جهاز التلفزيون الذين صاحوا فجأة صيحة رجل واحد, على اثر تسجيل الفريق الأيمن للهدف الثاني ضدّ الفريق الأيسر الذي يرتدي قمصان حمراء قانيّة ويطارد بذعـــر كرة بيضـــاء من الجلد المنفوخ بالــهواء.

- أنظر إليهم, إنهم زبائن مقهى الأنسويفايتا, المقهى المشهور في كلّ أنحاء مونيخ بأنّه مقهى المثقّفين. انظر إليهم لتفهم ما أريــــــد قوله. ثقافتهم, كرة القدم والمسلسلات التافهة والبرامج المسلّيّة والمسابقات التي تربح فيها عجوز شمطاء مليون أورو لمجرّد أنّها تعرف بأنّ الهند بلد ينتج التوابل ويقع بقارة آسيا. وآخر يربح الأسبوع السابق عشرة ملايــــين أورو لأنّه يــعرف أن ستالين اسمه الأوّل يوسف, وبأنّ – لايكة- هيّ أوّل كلبة هجينة بيضاء تصعد قبل الإنسان للقمر دون أن تطأه للأسف الشّديد! وبأنّ العنقـــاء طائر خرافيّ عملاق قادر على ابتلاع قطيع من الفيلة. هؤلاء هم أحفاد نيتشه وكانط وبشلار وفرويد وفولفغانغ غوته وليركه وانشـــتاين.

إنّهم أرباع المثقفين, الفيروس القاتل الذي يتربص بألمانيا وبكلّ أوروبا. فيروس مستورد من بلد الكاوبوي أمريكا الــــــعاهرة. إنّهم يسيطرون الآن على الرّكح الاجتماعي, يعيشون حياة هنيئة. ذلك أنّهم يتلذّذون عدم قدرتهم على التركيز على أيّ شيء من الأشياء. يحسبون أنّ عدم قدرتهم على فهم ما يجري ميزة يفتخرون بها. يعتقدون أنهم الأصل. ويجدون حلولا سريـــــــعة ومجديّة للمشـاكل الآنيّة. اليوم خمر, وغدا سنوجد حلا وقتيا للأمر. وإذا تعذّر ذلك فسنوكل الأمر لأبناء العم سام, بعد لــمجة دسمة من الهامــــبورغ .

يحلّون ألغاز جداول المواعيد ويتعاملون بكفاءة مع الأوراق النقديّة وبطاقات البنوك البلاستيكيّة. ينســجون كالعناكب شبكات معقّدة من الضّمانات, تحميهم من كلّ إمكانيّة لمراجعة النّفس أو حتى مجرد الشعور بالذّنب. ومن المستحـــــــيل أن تراهن الآن على الأقل بفشلهم وسقوط قلاعهم. لسبب بسيط ووجيه, وهو أنّهم يتحرّكون داخل محيط منيع مكوّن أساسا منهم هم أنفسهم. أربــــاع مثقفين أنتجوا أرباع وأسداس وأثمان مثقفين لإدارة البلاد وحال العباد. عزّزوا مواقعهم بأمثال ممسوخة منهم, بطريقة التطابق لغاية محق آليّة الاختلاف, يتشابهون مثلما تشبه البيضة بيضة أخرى. وأمسهم تأكيد قاطع لثبات يومهم ومراهنة على مشروعيّة سكون غدهم.

ينادونك لمصلحة العمل, وحين تبرز بحماسة, لفتاة في الثامنة عشر من العمر و مغمّسة حدّ الإبط في الأصباغ, شهائدك الجامعيّـة والوثائق التي تؤكّد خبرتك الطويلة ومستواك الأكاديمي الرفيع, تجيبك بأن سوق الشغل كاسد,
وبأن لديها وقـتيا وظـيفة بـائع آلات كهربــائية, بمرتــّب محــترم وضمانات اجتماعيّة مغرية جدّا, أو تعرض عليك وظيفة مراقب مخازن بشركة لصنع معجون الأسنان !

هؤلاء هم أرباع المثقفين, الثمرة الفجّة لغبار التطوّر الصناعي الأعمى, وواقع اقتصادي لم تعد مشكلته الرئيسة الانتاج و الانتاجية وإنّما البيع السريع, البيع المربح. لم تعد القضيّة ايجاد بنية منظمة ومؤطرة بأطروحات علميّة للتوازن ولكن المشكلة انـحصرت في أذهانهم المجفّـفة في ايجاد مستهلكـين أكفاء, مخلصـين وينتمون أيضا لقطيـع مدرسة الأرباع والأسداس. أرباع وأسداس المثقفـين.

سألت السيّد يواخين, مازحا: – حدّثتني عن أرباع وأسداس المثقفين, فماذا عن الأنصاف؟ أنصاف المثقفين يا عزيزي يواخـــــين؟؟
نظر ممتعضا إلى كأسه الفارغة وأجابني : – هم نحن, أنا وأنـت, الذين يجالسون الأربــاع بوعي ولكنّهم يـتـذمّرون عـلى كـل حــال. وحـين لاحظـت بوادر الـمرح تـرتسم عـلى قـسمات وجهه البافاري النحيل سألته:
- وماذا عـن المثقفين الكاملين إذن ؟أين يجلسون؟

أجابني وهو يهمّ بدفع الحساب استعدادا للمغادرة: – هل تعتقد بأن لديهم الوقت الكافي والمزاج المناسـب للجلوس لأجنبي مثلك, قادم من بلد ثلاثة أرباع سكانه من البربر وثلاثة أرباع أخرى من العرب, أم إلى بروفيسور فلســفة أحـمـق مثلي اسـمه السيد يوآخين ؟!

2- النّادلة كريستينا تغازل الشّاعر هانس ماغنوس :

دفع السيّد يُواخين وانسحب دون أن يودّع, كعادته, واستغرقت في كتابة قصيد عن ذئب جريح يحلم بذئب آخر صديق, يلعق جراحه ولا يفكّر آخر اللّيل بافتراسه. بعد ساعة انتبهت إلى كريستنا النادلة التي تعد منذ عشر سنوات رسالة التخرّج, وكأنّها تتحرّج من التخرج, أعرف أنّها تدرس مادّة الآداب والفنون الحديثة, انتبهت أنّها مستغرقة بعمق في تقطيع أحد المقاطع, ولم أكد أسألها عمّا تكتب, حتي همّت بي بحماستها المعروفة حين تغرق في حبّ شاعر جديد من الأموات حديثا.

- هل سمعت عن الشاعر هانس ماغنوس انزانسبرجر ؟ سألتني, وحين أجبتها بالنفي, رغبة في التخلّص من سماع محاضرة بعد السّاعة العاشرة ليلا أجابيني, إنّه أهمّ شاعر ألماني وبافاري معاصر يعيش بمدينة مونيخ, وهو أحد أكبر الشعراء العمالقة المغمورين. ألم تقرأ له قصيد – دفاعا عن الذّئاب ضدّ الخرفان- ؟ ولمّا أجبتها بأننّي انتهيت حالا من كتابة قصيد بلغتي العربيّة عن الذئاب قالت لي ببساطة, إذن مزّقها والكأس القادمة على حسابي الشخصيّ ولكن بربّك اسمع ماذا يقول :

هل تنتظرون من الطّائر الكاسر أن يتغذى من أذن فأر فقط ؟

هل تنتظرون من الضبع حقّا أن ينسلخ من جلدته؟ ومن الذّئب أن يقتلع أنيابه؟ …..

من الذي يخيط غيركم شرائط الدم المراق على بنطلونات الجنرالات….

كثيرون حقا, هم أولائك الذين سُرقوا, وقليلون هم اللّصوص….


قطع صراخ – هانس فيبر – على كريستينا حماستها, مذكّرا إيّاها بانزعاج شديد بأنّه طلب بيرة بيضاء منذ أكثر من ربع ساعة. فراحت تعدّل من انحراف قميصها البنيّ وتعتذر بهمهمة للسيّد هانس, صديق صاحب المقهى, والبغل الوحيد الذي يحتفظ بحق الصراخ في وجوه النّادلات, حتّى بعد كأسه التاسعة وهذه مرتبة لم يصلها زبون في يوم من الأيّام بمن فيهم صاحب المقهى نفسه.

حين أكملت كريستينا تلبيّة كلّ الطلبيّات المتأخّرة, واطمأنت كربّان سفينة بيزنطيّة يتفقد بحارته وجنوده بإدارة بركار رقبته, عادت لتسألني وهي تلهث, كمن ضبط وهو يمارس العادة السرّية. أين كنّا, سألت ؟ أجبتها أننا لم نغادر المقهى منذ عشر سنوات. وأكثر.

 

أرسل لصديقك طباعة صيغة PDF