plus minus gleich

في عشق البيضاء

فهرس المقالات
في عشق البيضاء
صفحة 2
كل الصفحات

الرسالة4 ( تتمّة للرسالة 3 )

إلي المبدع نعيم عبد المهلهل بمناسبة زيارته البيضاء ليلا:
العزيز الغالي نعيم,
برقيّتك أكثر فتنة من أن ترسلها في قارورة إلكترونية.
القوارير يا صديقي لم تعد آمنة….ألم تر ذلك…؟
بلى…ومثلك يرى , شاطئ عين الذئاب كشّر لك عن أسنان الحليب راضيا…فما أروع أن تعيد أنياب البحر إلى طفولتها الأولى يا حفيد الخليل.

لكم أسعدني أنّك كنت بين كبار…من طينة المذهلة مرشيد والبارجة الإبداعيّة وحيد والطوباد المعرفي الذي يجرّب وهو يجري أنيس و الأحبّة هناك.
ستتعرّف بالتأكيد إلى ماشومير – معقلي الشخصيّ لاحقا – وياسين عدنان والآخرين…و بوجمعة الأشفري…إنّه أسطورة, لكنّه يوجود فعلا.

لك الله إن لم تخرج من كازا بثقل جبلين من المحبّة المعتّقة والإمتنان لأمّنا الدنيا وللرّجال الرّجال وللصباح الصباح وللتفاصيل التفاصيل…فليس بأقدر منك على صياغة ذلك في عراجين دقلة الجمال والرّوعة مثلك…

هنيئا لك مسبقا بكلّ ما ستأتي به…وإليك بعض الوصايا الهامّة جدّا…أخطّها على عجل :

ضع عينك في ثقب الكلام…وتلصّص.
إنتبه لبائع الجرائد الأعور عند الجهة لمقابلة…خذ بالك من ألوان الطاكسي…لا تشتر فولا مدمّسا إلا بعد إستشارة وحيد…لا تنظر لبا ادريس قبل أن يأمرك بذلك….لا تقرأ….لا تكتب….يمكنك تسجيل ملاحظات في سطرين على أقصى تقدير حين يهمّ وحيد بالباب الخلفي…لديك كلّ الوقت.وأكثر.
لا تحلم…
عش…
لا تسأل عمّن مات…
إنتهز أيّ فرصة للخصام مع الاحياء فعلا, ستتعرّف عليهم من طريقتهم المعوجّة في النهوض أو الجلوس. لا تحادث الكبير أحمد الكبيري وهو يسوق سيارته…إنّه يركّز..يمكنك أن تقرأ له نصوصك حين يقترب من سلا…السيّارة تعرف الطريق….لا تسأل عون أمن عن الطريق الأكثر أمنا…سيدلّك فورا على المطار…لا تعبث بمعلّقات الإشهار…إنّها قطاع خاص ومراقب برادار عام…لا تنظر وراءك لأيّ سبب من الأسباب…كلّ النداءات خدعة…لا تمضغ لبانا أو علكا في طريق العودة وحيدا…لا تيأس من الطاهر الحمزاوي حين يطلب كوكاكولا…الشهر في تقويمه يشرق بداية من يومه الثالث والثلاثين….لا تهمل المواعيد القمريّة. إسأل عن عزيز الساطوري قبل أن تلمّ اللّيل فخذيه من تحت الطاولات….لا تلقي بمناديل الأوراق لطيور النورس. …لا تزر مقابر قريبة أو معروفة…لا تنتظر باصات عند أماكن وقوفها الرسميّة….لا تبالغ في مصالحة البحر…لا تنادي وحيد بيا وحيد…قل له إسمع….سيفهم كلّ ما ستقوله بعد ذلك بأعوام…لا تترك علبة سجائرك في جيبك….ولا فوق الطاولة…لا تقل لفاتحة مرشيد أنّ كلّ شيء موقّع فيها, سيكون ذلك كأنّك تصف الماء بأنه ماء….لا تنم قبل أن تدعو مليكة مستظرف في ذاكرتك وأن تقول لها صباح الخير…قبل صباح الخير…. أنها لا تنام منذ إختارت أن تبني عشّها الطين كالخطاف المسكون, في فجاج حيطان المدينة … لا تنظر صوب السماء وأنت توشوش للبحر…كلاهما روح أنثى غيور هائمة… لا تقتل نحلة خارج غابة تفّاح اللّغة فمن يدريك أنّها ليست ملكة أمتدّت إليها المخالب فتاهت و ضلّت الطّريق إلى الخليّة ….لا تستنبح كلبا قبل التأكّد من إستواء ذيله. لا خير في كلب يبصبص وهو ينبح …

عزيزي نعيم…الصندوق لم يفتح بعد.

هناك ثلاثة آلاف وصيّة أخرى خاصّة…سأرسلها لك على البريد الشخصي.

محبّة يا غالي…لك وللكبار الذين تحوّس الآن في رحم نصوصهم القادمة.

كمال العيادي



الرسالة 3

إلى ملك اللّيل/ الكورونيل وحيد نور الدّين

الغالي,
ملك الليل, المتدفّق في لحمة وشرايين الدار البيضاء الداكنة,
صديقي الكورونيل, وحيد نورالدين بن محمد بن الجيلالي بن الحاج امحمد بن علي بن بوعبدللي بن الحاج علي

الساعة الآن تجاوزت الرابعة صباحا بكثير…وأنا أقرأ نصّك- ماشومير - للمرّة السابعة. يخيّل لي أنني نسيت شيئا ما فوق – الكونتوار – وأنني لا بدّ وأن أعود وحدي آخر أعقاب ثقاب الليل, لأنسى من جديد أنني نسيت شيئا ما…كعادتي حين اكون صاحيا أكثر ممّا أحتمل نفسي الهائمة في غرسهم العقيم.
ثمانية أمتار مستطيلة ومنحرفة غربا, مفروشة في أرض الله البيضاء, كجلد ثور لم يكتمل تجفيفة ولكن لم يكوّره البلل ايضا…رائحة بين هسهسة الهواء المحمّل برائحة الفول والجدال وخيوط البول المعوجة التي تهبط كلّها متعانقة بعد قطيعة صوب ثقب المرحاض المعلوم…طاولة للعب البيليارد, خضراء لا تسر العابرين, تحتلّ صدر المكان…باب تكاد تحلف توّا أنه باب, وثمّة في الطريق إلى الوجوه أكداس من البرامج التلفزية القاسية والهموم التي تتدلّق بشكل مقزّز من الجهاز المشدود بقضبان إلى الحائط…غرغرة أمعاء متخمة وإلحاح بائع جوارب, كان بالأمس القريب بائع حمص معتبر, قبل أن يقسو الوقت الكلب فيأكل رأس ماله في سهوة أو نشوة عابرة ويسرّحه في ارض الله عارضا جواربا نسائيّة للبيع وهو يعرف أن لا أحد من السكارى سيستقبله بابتسامة وهو الذي يذكّره بوقاحة بساقي زوجة تتلظى,منتظرة بين مقبض الباب ولحاف السرير…

الملوك ملوك, والأمراء أمراء, والزوّار زوّار, والضيوف ضيوف, والنادل نادل, والكرسي كرسيّ, يا وحيد القرن, وإبن فاسقة من فكّر في الضيق وفي جيبه على الأقلّ ما يعدّل الكفّة لصالحه حدّ بياض البيضاء من جديد .. وبين الدار والمقبرة كلمة في غير موضعها أو قضاء وقدر…ثمّ أنه لا أحد يعرف بأيّ حزام من الأرض المنقعة يموت.

أحببت حانوتك الماشومير يا وحيد وهذا ليس سرّا لأجاهر به, على أننّي أحببت منه أكثر ما لا يراه الضيوف فيه ولم أك ضيفا يا وحيد…وهذا من بعض عجائب التاشومير والماشومير التي تميّز هذا عن ذاك بدون سابق معرفة. ثمّ أنك لم تشرح للقارئ في نصك الذي خلّدت فيه المقام يا كورونيل, أن ما- شومير تعني كوخي الحقير….وربّما كان سمّي كذلك عمدا, كونه كان ولابدّ من وضع علامة جارحة تبعد العين والزوّار والغرباء الذين يمرّون مرّة واحدة…لكنّه كوخي وحانوتي ايضا يا وحيد…وذاك الذي تستشعره الآن عند العتبة قلقا, قريني الذي تركته لك في الركن اليسار ورقبتك أيها الملك, صدّقني.

هوّ كوخ من اللّحم والدّم والدموع…
كبد طازج يبعبع ويعربد بكباره ويثغو ثغاء كبش عيد, إستشعر رائحة الجزّار…وكأني به شفط بدمه يتخبّط حيّا ..نيئا…يكاد ينزلق ويفلت من بين فرجات الأصابع المبلّلة برائحة الدمّ. الحياة والموت فيه عصاب واحد يمتدّ حينا ويتقلّص حينا…بين مرّ اللّعاب وجفاف ظهر اللسان…على أنّه مقام كامل…من شوشة رأسه, ومنذ وقوف الطاكسي مقابله, إلى إخمص التفكير في طلب سيارة الطوليس هربا منه الى حين… …بل أنّ جبروته أنك لو عدت إليه بعد عقد من الزّمن ووجدته مندسّا في معطف نصّ روائي طويل, لعرفته توّا وأنكرت طلاءه الجديد فورا. وهذه هيّ علامة النصوص الفصوص التي تخلّد المقامات الخالدة…كلّ جزء يزهو بنفسه متفرّدا فيه وبه, ولكن وفي نفس الوقت, لا يكاد ينال منه أن ثقبا فيه عاد عينا عليه وفيه او أن يخترقه خيط ويدخله كاملا, ساحبا إيّاه إلى ثقب غيره…فإذا هوّ يا تبارك اللّه عقد لؤلؤ أو زمرّد أو ماس أو فيروز أو جمان…

من المؤكّد أننّي سأقابل وجه ماشوميرك من جديد في سرب مجموعة قريبا…ولكنّني أراهن أيضا انّه سيكون طحال رواية مذهلة عن حانة
ما-شو-مير
…بل اننّي أراهن أنّ أبوابها وفصولها ستكون على شكل المكان تماما…
فبدل الفصل الأوّل, لا بدّ أن تكون عبارة :
الباب…بعد الطلاء أيضا
وكعنوان فرعي ستجد الجملة الغريبة التالية:
محاولة لشرح تفاصيل وقائع من المؤسف أنها لا تعتبر مهمّة لأيّ كان بعد حدوثها بذلك الشكل وفي تلك الضروف تحديدا…
ثمّ أنّك ستجد أنّ الفصل الثاني قد طار, وتجد مكانه عبارة..
الكونتوار
وعنوان فرعي أكثر غرابة على الشكل التالي :
مسح كامل وشامل لمحتويات الرفوف الزجاجية المقابلة وأثار الخربشات على الدهان البنيّ, مع سرد بعض التفاصيل إذا أمكن..وتقديم سريع وغير دقيق لمن حضر من الروّاد…
وقد تجد الفصل الثالث لا يزيد عن كلمة واحدة :
أوووف…
أو ربمّا كان عبارة عن عبارتين :
نهار خرا…
أو أيّ شيء من هذا القبيل….
ويكون الفصل الموالي, محددا لحيز وشخوص وتاريخ ونوادر ومصائب طاولة البيليارد الخضراء التي تفسّخت ألوانها البنيّة والخضراء من قبل تغيير باب المرحاض وطرد ( النادل الفلاني ) من العمل بسبب موته مثلا أو لسبب أكثر وجاهة…

العزيز وحيد…من المؤكد أنّك ستنتهي ساردا تجريبياّ…فأنت ملّم بعروض السرد المحلّق والمعلّق والمنمّق والمشوّق والمزوّق والمروّق والمطوّق والمنثور والمحصور وفتنة السرد البكر…تلك العين التي لا تترنّح وإن إنقلبت في عين الصاحي جدّا إلى بياض مريب…

هنيئا لك بكلّ فخذ سردّي ملحّم مشحّم متقاطر دهنا طيّبا يسيل لعاب القارئ الحيّ الجائع للسرد المقلّب على جمر الكبد الملكوع…

( …سبقتني يا وحيد ونلت وحدك مجد الماشومير…خانتني رقعة ارض لاتزال تخون…وغربة مرّة…وشجرة ياسمين مشدودة شدّا محكما إلى زندي وقلبي المتورّم….يا خسارة )

كمال العيادي

من مخطوط : في عشق البيضاء

أرسل لصديقك طباعة صيغة PDF